يا مادبا بنتا
طموح…
ليس بودي البكاء على أطلالك يا مادبا، فلديك "عيسى
القنصل" الذي يبكيك، من على منبر الرأي الغراء،
حرقة ولوعة واشتياقا. وقد قابلته قبل شهر في
هيوستن، فتبين أن هذا الرجل "الباكي" صادق في
تعبيراته ووجدانياته، وأنه ، يحبك، مادبا… إلى
أقصى الحدود. وبالتالي، لن أستطيع أن أجاري ابنك
عيسى، فأنثر لك غزلا أصدق وأروع منه. ولأنني، أصلا،
لست بمحترف للغزل، ولست بمغترب عنك، ولأنني أكتب
إليك اليوم لأهنئك وأهلك الرائدين، إذ تتجه كل
أنظار العالم إلى الألفية الجديدة التي باتت تطرق
أبوابنا ، وصرنا نسمع وقع مشيتها كما لو كانت تسكن
في بيتنا. ولأن مادبا ستتشرف وتلبس أحلى حللها
بزيارة قداسة البابا، فان ما ينتظر مادبا، على وجه
الخصوص، من التحضير والترقب والعمل، بات أمرا ملحا
وغير قابل للنقاش أو الانتظار.
وقد سعدت قبل أيام لمشاهدة بعض الشخصيات
في مادبا تتحدث ، عبر شاشة التلفزيون الأردني عن
العمل والطموح، وطبعا عن الصعاب التي تجابه لجنة
"التحضير للألفية الجديدة". وليس أمر الصعاب
بغريب أو مستهجن. فالألفية لا تأتي كل يوم ولا كل
عام ولا حتى كل قرن. انها مناسبة فريدة واحدة، إما
أن ننجح في استقبالها والتحضير لها بما يليق بها ،
وبما يتفق وحفاوة الاستقبال العربية، المشهود لها
في كل قارات العالم. وإما أن نتقاعس، بحجة أن
الألفية مشروع يفوق طموحنا وامكاناتنا ومقدراتنا،
فنمنى بفشل ذريع، ونبدأ بالتحضير للألفية الثالثة
من الآن. وهذا ما لا نقبله ، وهذا ما لم يختره أهل
مادبا، بمؤسساتها وأفرادها. وبات ممّا يثلج النفس
ويطيب الأماني، أن نرى ونسمع أن مادبا قد قبلت
التحدي، وأرادت أن تكون رائدة في استقبال الألفين،
وذلك استكمالا للارث الحضاري والديني الذي يختزله
تاريخ مادبا القديم.
وممّا يسجل للجنة الألفين في مادبا، أن تلمس
التنسيق التام واضحا وجليا للعين ما بين المؤسسات
الرسمية والدوائر الحكومية والشعبية من جهة
والكنيسة من جهة أخرى، فترى الأب الدكتور جورج
الفار، كاهن اللاتين، يتحدث جنبا الى جنب مع عطوفة
محافظ مادبا ورئيس بلديتها. وهذه لوحة "فسيفسائية"
جديدة تضاف إلى معرض اللوحات العريق التي تحويه
أمكنة مادبا وبيوتها وكنائسها من القرن الرابع
للميلاد إلى اليوم. وهذا جوهر الاحتفال باليوبيل
الكبير، لأن حدث الألفية، هو في آن واحد، أمر
عالمي، وشان وطني ومناسبة كنسية أو دينية معا. ولا
نرضى بأن تكون التحضيرات مقتصرة على ناحية واحدة
فقط ، بينما تترك النواحي الأخرى ، إلى من يهمه
الأمر. كلنا معنيون، وكلنا معنيون بكل مجالات
التحضير وبكافة نواحي الاحتفال ومحطاته، وكلنا
مسؤولون عن العمل الحثيث، على كافة الجبهات. علما
بأن هذا كله قد بات على قاب قوسين من بيوتنا، أو
أدنى.
أقول هذا، فيما أشد على يد اللجنة
الألفية في مادبا، فأنتم أيها الأخوة تضربون مثلا
يحتذى لكل أخوتكم أبناء المحافظات الأخرى. ففي
مادبا ، محطتان هامتان للاحتفال بالألفية، حسب ما
جاء في التنسيق بين الفاتيكان ووزارة السياحة
الأردنية، فلديكم الصياغة أو جبل نيبو، وهو المكان
المرجح للاحتفال مع قداسة البابا، في زيارته
المرتقبة في آذار المقبل، باذن الله. ولديكم مكاور،
وهي مكان قطع رأس يوحنا المعمدان. وبالطبع، فليس
هذان المكانان ملككم وحدكم، بل انهما كغيرهما من
الأماكن السياحية والدينية، ملك للأردنيين جميعا.
ولكنّ الأمر في أيديكم لتنجحوا مشروع الألفية، حيث
السبات يغطي أخوة لكم عديدين، في مواقع أخرى غير
مادبا. هنيئا لكم، لأنكم قبلتم أن تقرعوا الجرس،
ولأنكم قبلتم التحدي، مهما كان قويا، ومهما تطلب
همة عالية وعزيمة لا تفتر. هنيئا لكم، وان كثرت
حواليكم، أصوات منددة بما تقومون به، ومنتقدة كل ما
تحلمون بتحقيقه، وتخططون له، وتحاول أن تهدم ما
شرعتم ببنائه. ففي الوقت الذي يقبع فيه أصحاب تلك
الأصوات في بيوتهم، ولا شغل لهم سوى أنهم بكل شيء
متشاغلون، فانكم تسرجون الخيل، وتتأهبون للعمل بجد
ونشاط. ولديكم في يوحنا المعمدان "شهيد مكاور"
أكبر حافز على قبول التحدي عندما وقف منتصب القامة
أمام غطرسة هيرودس ومكره وترسانته. ولما لم يقبل
بالخضوع والخنوع والتراجع، توجه الى المقصلة،
راضيا مرضيا، وقبل بأن يقطع رأسه وأن تسيل دماؤه
الزكية البريئة. وها نحن بعد ألفي عام من تلك
المأساة، نذكر بالاجلال والاكرام، لا هيرودس
وأتباعه، بل من سقط شهيد الواجب وقول كلمة الحق.
ندري أن الألفية المثقلة "بالطنّة
والرنّة ووجع الراس" ، ليست مشروعا هيّنا،
وبالأخص أن برنامجها يحتوي على زيارة "من العيار
الثقيل" كزيارة قداسة البابا ، والتي ستكون
زيارة رعوية شعبية يستقبل الضيف الكبير فيها
الأردنيون بأجمعهم، مسيحيين ومسلمين. وليست زيارة
كهذه من السهل تنظيمها، وجعلها قوة جذب سياحية، ليس
لمادبا ومكتنزاتها الأثرية الغنية فحسب، بل أيضا
لكافة مواقع الأردن وبخاصة محطات الألفية الأخرى
مثل المغطس والوهادنة وعنجرة… ندري هذا كله،
ولكننا ندري أيضا أنه بالحزم والتصميم والتنظيم
والتعاون والعمل بروح الفريق الواحد، يكون
باستطاعتكم ، وباستطاعة كل ذي نيّة حسنة، أن تعلوا
البنيان معا، وأن تجعلوا شمس الألفية الجديدة تسطع
فوق هضابنا وسهولنا وبيوتنا وجوامعنا وكنائسنا،
بينما قضيتم "الليل كله" بالسهر والانتظار
وترتيب البيت لاستقبال كل الضيوف: "لتكن سرجكم
موقدة، وأوساطكم مشدودة، وكونوا مثل رجال ينتظرون
على السهر والنشاط، رجوع سيدهم".
فالى الأمام، يا لجنة استقبال الألفية ، في مادبا
"البنت الطموح" كما يتغنى أبناء مادبا في
تراثهم العريق. وهذه تحية أخوية أزجيها لكم من
جارتكم الصديقة، الكرك، وكلنا شوق للسماع عن سلسلة
نجاحاتكم التي لن تكون لكم فحسب، بل للوطن الجميل
لكله، والتي ستمسي نبراسا يحتذي به أخوتكم في
المحافظات الأخرى. "شدوا الهمّة ، الهمة قوية…
مركب ينده عالبحرية". كذا يغني مارسيل خليفة،
وهو، الى جانب المعمدان، مثال آخر، لنا ولكم…
لقبول التحدي.
بيت العناية الانسانية
كان الوسام الرفيع الذي وشح به جلالة الملك عبدالله
الثاني صدر الأب يوسف نعمات، من كهنة البطريركية
اللاتينية، خير بيان على تقدير الهاشميين لكل من
يشقون في المحبة طريقا ويجدون في العطاء دستورا ،
وينهجون من خدمة المحتاجين سياسة حياة. كما كان
افتتاح "بيت العناية الانسانية - العذراء الملكة"
في الفحيص، بتشريف من جلالة الملكة رانيا
العبدالله المعظمة، خير دليل على اهتمام الهاشميين
بالمشاريع الانسانية النبيلة، وبخاصة تلك التي
تعمل على تقديم الخدمات لذوي الحاجات الخاصة،
والذين لا أمل لهم في الحياة، ما لم يجدوا حضنا
يضمهم ويبين لهم أن "على هذه الأرض ما يستحق
الحياة".
ويعتبر "بيت العناية الانسانية" الذي تبرع
بمساحة أرضه وبنفقة بنائه وتأثيثه الأب يوسف
نعمات، من مراكز "الحنان" الجديدة التي تعنى
بالمسنين وتقدّم الخدمات اللازمة لهم، و تؤمن سكنا
ملائما للكهنة الذين يعتكفون به بعد أعوام خدمة
طويلة في أعمال بر وتقوى مكثفة. وأيضا، فان من أهداف
الجمعية مد يد العون للأشخاص ذوي الحاجات الخاصة،
وبخاصة غير القابلين للتأهيل، وأولئك الذين استعصى
عليهم علاج ولا يؤمل أي تقدم في أوضاعهم الصحية،
فهم أحوج الناس إلى أن يسكنوا في "بيت حقيقي"،
و أن يتلقوا الخدمات المتعددة، لتبقى معنوياتهم
عالية وثقتهم بحكمة الله تعالى غير مخدوشة. هذا ،
فيما يقوم بخدمة هؤلاء الأشخاص مجموعة من راهبات
الصليب القادمات من لبنان، واللواتي يعملن، باخلاص
وجد في سبيل تأمين "بيت" لرواد المركز، وتقديم
أفضل الخدمات للمحتاجين.
أما الأب يوسف نعمات، وهو أصلا من مواليد الفحيص
عام 1932، فانه قد قدم لبلده الأردن ولكنيسته وجاد
فيما قدم. فبنى مدرسة في دير اللاتين في عنجرة حيث
يعمل منذ 30 عاما، لخدمة الحجارة الحية من الطلبة
الذي سيقومون، إذا ما شبوا وشابوا، على بناء مستقبل
زاهر ومشاد على خدمة الله والوطن والمليك ، مفعمين
بما ينهلونه من المدرسة، التابعة لمدارس
البطريركية اللاتينية، من علم وأخلاق وتمرس على
احترام الناس وتقديرهم. وبنى الأب نعمات كنيسة في
الفحيص لتساعد المؤمن على التقرب من خالقه،
وبالتالي من القريب ، دونما تمييز بعرق أو دين أو
منبت أو أصل. وتشتهر رعيته عنجرة حاليا بمزار "سيدة
الجبل" الذي ، وبجهد خاص من "أبونا يوسف"، تم
اعتماده، بعد تنسيق كبير بين وزارة السياحة
الأردنية والفاتيكان، كمحطة هامة ومكان مقدس
للاحتفال بالألفية الجديدة. هذا بعدما أصبح يوم
العاشر من حزيران من كل عام، وهو يوم الجيش والثورة
العربية، يوم صلاة وتعبد، يؤم فيه مزار عنجرة ألوف
مؤلفة من المؤمنين من كل حدب وصوب، رافعين أيديهم
الطاهرة لينالوا من الإله ، عز وجل، كل ما يحتاجونه
في حياتهم اليومية من نعم وقوة ونشاط، ومصلين في
ذلك اليوم الوطني والكنسي المشترك من أجل وطنهم
ومليكهم وأخوتهم. وقد تم اختيار الأب يوسف نعمات
كفارس من فرسان القبر المقدس ، الى جانب بعض
الأشخاص ممن يسخون بمالهم ووقتهم لوطنهم وكنيستهم.
ولا يسعنا، عبر هذا "المنبر" الأغر، إلا أن
نتوجه بالتهنئة إلى الأب يوسف نعمات، وهو الذي
جرينا على مناداته "بشيخ الجبل"، على المكرمة
الرفيعة التي وشحه بها جلالة الملك عبدالله
الثاني، وعلى البيت الانساني الجديد الذي قدمه
لوطنه وكنيسته، والذي سيكون لمسة حانية وهدية
نفيسة إلى الوطن الغالي، وبخاصة إلى المواطنين ذوي
الفاقة والعجز متعددي الجوانب، ليدخلوا الألفية
الجديدة بهمم عالية ومعنويات لا تني، أمام مصاعب
الحياة الشائكة، وصلبانها الثقيلة.
شجرة الحسين
كان التأثر والفخر مطبوعين على الجبين الهاشمي
لملكنا عبدالله الثاني، بينما كان جلالته ينظر
باعجاب الى شجرة الزيتون المباركة في حديقة
الفاتيكان. كيف لا ؟ وهي هدية الحسين، رحمه الله،
الى قداسة البابا بولس السادس، لتضيف على حديقة
الفاتيكان الغنّاء مزيدا من الروعة التألق والبهاء.
كيف لا ؟ وهي احدى عطايا يمين الحسين، التي ما كانت
الا لترفع دوما غصن الزيتون، ولتساعد الأيدي
المسترخية المرتجفة على رفعه، مبشرة بعالم أكثر
أمانا ومنطقة شرق أوسطية أكثر استقرارا وسلاما
وعدلا. وهي اليمين ذاتها التي غرست في قلوب أبنائه
وأشباله الهاشميين حب الانسان الاردني وخدمته بكل
تفان وروح مسؤولية. كما غرست في قلوب الأردنيين روح
الانتماء الصادق والولاء الذي لا يأكله هوان.
والى جانب فخر أبي الحسين بشجرة والده
الراحل العظيم، والذي نشاركه به نحن أبناء الحسين
كذلك. فقد راقبنا وتابعنا، بفخر مماثل زيارة جلالته
الى حاضرة الفاتيكان: انه فخر بالقيادة الهاشمية
الرائدة التي تؤمن بالانفتاح كسياسة لا بد منها،
وللعلاقات الواسعة مع ذوي الارادة الصالحة كمدعاة
للعمل الدؤوب من أجل خدمة الانسان، في كل ظروفه
ووسط معاناته وهمومه وآماله.
وانه فخر بالقيادة الروحية التي يتمتع
بها صاحب القداسة يوحنا بولس الثاني، الذي كان
صديقا للحسين ، رحمه الله، وها هو بالتأثر البالغ
يتسقبل نجل الحسين الأكبر، عبدالله، كعلامة على
الأسس والمعايير المشتركة بين الطرفين، والتي
تتلخص باحترام حقوق الانسان والمناداة لرفع الضرر
والخطر عن الشعوب الفقيرة والصغيرة، والتي تفتقد
الى من يدافع عنها ويحميها.
وانه فخر بالشعب الأردني الذي أشاد
قداسته به ، كشعب يتعايش أبناؤه، بالرغم من
الاختلافات، على الحب والأخوة والتعاون الوثيق
لخدمة الوطن والانسانية. والذي يتبين في الحوار
الاسلامي المسيحي الذي بدأه الهاشميون كأنموذج
يحتذى في كل بلدان العالم، وفي التسامح الديني
والحرية الدينية التي ما لأحد حق في التحكم بها أو
الضغط عليها.
وان الزيارة قد شكلت رافدا أساسيا للفرح
والفخر، لي ككاهن ينتمي الى بطريركية القدس،
بمدينة السلام، ارض القيامة والفداء، أرض الاسراء
والمعراج، وقد أخذت في لقاء الزعيمين الكبير جزءا
تستحقه نظرا لأهميتها التاريخية ماضيا وحاضرا
ومستقبلا.
وانه فخر، بالزيارة التاريخية التي
سيقوم بها قداسة البابا لأرضنا الاردنية الطهور
المباركة في آذار المقبل، وانها ستكون، باذنه
تعالى مصدر ترحيب من الشعب الأردني بكل أطيافه
وتنوعاته، اذ ان قداسة البابا يتمتع بشعبية قل
نظيرها. وان السياحة الدينية ستتأثر ايجابا، التي
سيأتي بها قداسته حاجا الى أماكننا ومزاراتنا
الدينية الهامة.
هذا بعض مما طبعته زيارة جلالة الملك لحاضرة
الفاتيكان، وكلنا شوق لآذار المقبل…
هموم …
زلازل ، حروب، تسرب اشعاعات خطرة، وفيات فجائية،
بطالة ، فقر، أمراض فتاكة، انفجارات… عالم شرس
وطبيعة شرسة…
يقف الانسان، أمام هذه الأمور التي تحدث في بقاع
شتى من العالم، حائرا مذهولا…
هذا على المستوى العالمي الذي ليس لأحد أن يتنصل من
مسؤولية الشعور، على الأقل ، مع المظلوم والمنبوذ
والمغلوب على أمره، والمنسحق تحت وطأة الشر الذي
تصنعه يد الطبيعة، أو الذي تصنعه، مع الأسف، يد
الانسان.
وعلى المستوى العائلي، تؤلمنا الانقسامات
العائلية والخصومات والمنازعات بين الأشقاء
وأبناء العمومة، وأكاد أجزم أنها شبه طاغية داخل
جدران العديد من بيوتنا.
يضاف الى ما تقدم، اذا قيّض لنا سبر غور القلب بشري،
فاننا سنجد الهموم المتراكمة، تراكم دخان السجائر
في الرئتين، وسنجد الامور الخانقة التي تسير
بالمرء نحو الهاوية والانتحار والذوبان في
اللاأدريّة واللامبالاة، وغيرهما من أمراض العصر
العديدة الفتاكة …
أما بعد، فما دعاني الى أن أخط هذه الأسطر، وبهذه
السوداوية… هو ادمان على الاصغاء المتواتر لنشرات
الأخبار المتلفزة أو قراءة الصحف اليومية… وكلها
حافل بويلات وانكسارات تهدّد كرامة الانسان وأمنه
وطمأنينته وحقه في حياة كريمة هانئة. وبالنسبة لي،
فقد كانت هذه الأمور، وغيرها من مؤلمات العصر ، محط
تفكير مستفيض، غارق في التشاؤم، الى أن فتحت الكتاب
على رسائل القديس بولس، وبخاصة رسالته الى أهل
مدينة فيليبي (الى الشمال الشرقي من اليونان)، لأجد
بين أسطرها ما يدخل التعزية الحقيقية الى القلب
والوجدان البشري. ولعله ضروري التنويه أن بولس بعث
بهذه الرسالة، بينما كان جاثما في أحد سجون مدينة
روما، انتظارا لما سيؤول اليه من العذاب والاضطهاد
والقتل… ولو كان من دعاة التشاؤمية والسوداوية،
لجاء كلامه على شكل آخر وبقالب آخر، لكن شمس
التفاؤل والرجاء بعالم أفضل كانت مشرقة ومتلألئة،
بكامل عنفوانها، داخل قلبه وضميره، رغم ظلم السجن
وظلمته، لذلك نسمعه يقول:
" أيها الأخوة، افرحوا في الرب دائما، ليعرف
حلمكم عند جميع الناس، لا تكونوا في هم من أي شيء
كان، بل في كل شئ ارفعوا طلباتكم الى الله تعالى
بالصلاة والدعاء مع الشكر، فان سلام الله الذي يفوق
كل ادراك يحفظ قلوبكم وأذهانكم. وبعد، فليكن شغلكم
الشاغل، كل ما كان حقا وشريفا وعادلا وخالصا
ومستحبّا، وطيّب الذكر، وما كان فضيلة وأهلاَ
للمدح، كل ذلك قدروه حقّ قدره… واله السلام يكون
معكم".
أليس هذا ما يحتاجه المرء، في غمرة ما يداعب من
المتاعب والهموم ؟؟
رحلة الحج إلى أور
أعلن الفاتيكان رسميا، توقيف
التحضيرات المتعلقة بزيارة قداسة البابا، التي كان
من المحتمل أن تتم في شهر كانون الأول القادم. وذلك
بعدما أثارت الزيارة البابا المتوقعة جدلا واضحاً
ومتشعبا،َ وقد اختلف الناس في أمرها، بين مؤيدين
ومعارضين. وللمؤيدين آراؤهم وللمعارضين آراؤهم
كذلك. ونحن نحترم وجهة نظر الفريقين، لاحترامنا
لكرامة الإنسان وحريته في التعبير.
فأمريكا وبريطانيا، وحتى إسرائيل،
تعارض زيارة البابا خوفاَ من أن يعتبرها النظام
العراقي القائم بمثابة اعترافَ به أو بأفعاله
وسياساته الداخلية والخارجية.
والعراقيون كذلك منقسمون: فالمقرّبون من
النظام بدورهم منقسمون، فمن مؤيد لاتاحة الفرصة
للبابا أن يطلع على معاناة شعب عن كثب، الى معارض
يخاف أن تكشف الزيارة بعض الانتهاكات لحقوق
الانسان. أما شعب العراق، فمؤيد يريد أن تكون
الزيارة تذكيراَ للعالم بأقسى ما عاناه شعب، في
العقد الأخير من القرن المنصرم. والمسيحيون، على
وجه الخصوص، والذين يناهزون المليون مؤمن، يريدون
من رئيسهم الروحي أن يشدّد من إيمانهم الضعيف، في
وجه مصاعب الحياة وصلبانها الثقيلة والكثيرة، وأن
يقويهم في تعايشهم الأخوي مع اخوانهم في الحصار
والعذاب، المسلمين.
أما المعارضة العراقية فتميز حضور
البابا كرئيس روحي مرحّب به. وكرجل سياسة ، إن قابل
الرئيس العراقي، فسيكون ذلك غير حميد له. ويكفي في
هذا السياق التذكير ببرنامج "أكثر من رأي"
الذي عرضته قناة الجزيرة، وكيف كان واضحاَ اختلاف
وجهات النظر حول الزيارة، وبخاصة معارضة المعارضة
العراقية لزيارة تاريخية مثل هذه، تحسبا لتجيير
النظام العراقي للزيارة الى صالحه.
وهنالك أيضاَ بعض المثقفين العراقيين،
الذين خطوا عريضة احتجاج على الزيارة، مهاجمين
البابا "لأنه قادم كحاج فقط ، وليس كرجل سياسة
يندّد بالعدوان الأميركو- صهيوني". كما كانوا على
وشك التصريح في متن العريضة، أن الزيارة ما هي الا
"حملة صليبية جديدة".
ردود فعل متزايدة إذاَ ، وعلى ذلك نقول
أن الأمر بحاجة إلى تروٍ وهدوء أعصاب، وإعادة قراءة
رسالة البابا في هذا الشأن، حيث اعتبر هذه الزيارة
"حجا" مقدّسا، وفريضة دينية يرغب في أدائها،
لارتباطها بإبراهيم، أبي المؤمنين:
" كم أود في الواقع أن أذهب، إن كانت
هذه مشيئة الله، إلى أور الكلدانيين، المعروفة
اليوم باسم تل المقير في جنوب العراق، وهي المدينة
التي سمع فيها إبراهيم، بحسب ما جاء في الكتاب
المقدس، كلمة الرب التي اقتلعته من أرضه وشعبه، ومن
ذاته أيضاَ، ليجعل الله تعالى منه أداة لتدبيره
الخلاصي الذي يشمل سائر شعوب العالم. والذين ينظرون
إلى إبراهيم اليوم، ليسوا فقط من هم نسله بحسب
الجسد، بل العديدون أيضاَ الذين يعتبرون أنفسهم
نسله الروحي، لأنهم يؤمنون إيمانه، ومثله يسلّمون
أمرهم لله تسليماَ كاملاَ لا تحفظ فيه، أمام مبادرة
الإله القدير لخلاص البشرية ".
ومن ناحية أخرى، وبالهدوء ذاته، لنفكر في أن
الزيارة ذات طابع أبوي وراعوي، وهو أن يطلّ البابا
على أبنائه المسيحيين ليتفقد أوضاعهم ويحاول لم
صفوفهم. والكنيسة العراقية عريقة وقديمة قدم
التاريخ المسيحي نفسه، فإن كان الآشوريون
والنسطوريون قد خلقوا البدع الدينية والهرطقات عام
431،
فان كنيسة العراق اليوم، وبخاصة الكلدانية، وهي
التي تدعو البابا لزيارتها، لتؤكد أنها ستبتدئ
الألفية الجديدة بإيمان قويم وعمل حثيث، من أجل
تحقيق الوحدة المسيحية المشرّفة، لكل الكنائس، في
العراق، كما في العالم بأسره.
الفاتيكان علّق التحضيرات المتصلة
بالزيارة، ولم يوقف رغبة البابا الحارة بالوقوف
على الأماكن المتعلّقة بالزيارة. ولكن الأمر قد درس
عقلانيا، فلا يمكن زيارة تل المقير، مسقط رأس أبي
المؤمنين، دون المرور ببغداد، الأمر الذي ستحيق به
تحليلات وتأويلات سياسيّة ، قد تفقد الزيارة هدفها
الرئيس. ومهما كان من معارضة، أو عدم رضى، أو عدم
تقبّل للزيارة، أو تأويلات سياسيّة، فالحق يقال،
أن زيارة البابا، وهو أحد رواد السلام البارزين في
القرن العشرين، ستكون خيرا بكثير من تحليق
الطائرات الحربيّة البريطانية والأمريكية، في
سماء العراق، لتقصف البلاد ، وتقتل العباد،
بالقنابل العمياء، والصواريخ الحمقاء.
الأب رفعت بدر
HOME
|