ميلاد
2000
في هذه الليلة تقرع أجراس الكنائس في العالم تباعا
مع اختلاف التوقيت.ويتقاطر المؤمنون إلى الكنائس،
وقد ارتدى الأطفال حلة العيد، واعد الطعام اللذيذ
والحلوى الشهية لتقدم على موائد الفرح. ويقبض
الآباء بأيدي بنيهم، والأمهات والجدات أيدي
بناتهن، ويعيدون على مسامعهم الطفولية قصة الطفل
التلحمي. وتطفأ أنوار البيوت وتشعل الأشجار
الميلادية، ويسلم الناس بعضهم على بعض ويتصافحون.
ويقبل الصغير يد الكبير، والكبير جبين الصغير دون
غش لأنهم في الميلاد. وتكفكف دموع الحزن في العيون
لأننا أمام الفرح العظيم، وتفرش القلوب بالرجاء
ويرمد الجفاء لأننا في الميلاد . ولأننا في الميلاد
يدخل المسيحيون الكنائس في البلاد والقارات،
والمدن والأرياف. والذين يؤمونها هم الفقراء
والأغنياء والظالمون والمظلومون والمسحوقون
والساحقون والمتواضعون والمتكبرون، وهم جميعا
ينشدون حق الميلاد والدرب السوي والهداية عن
الضلال، وغفران خطاياهم والمسامحة عن ذنوبهم تجاه
الطفل والإنسانية التي فداها الطفل، ويرنمون جميعا:
" أشيدوا النشيد وأوفوا العهود وأدوا السجود
لفادي الأنام". ويقرأون كلهم في كل لغات العالم
شعار يوبيل الألفين الذين يقول : " المسيح أمس
واليوم والى الأبد" . وأمام هذه الشعار الذي تحيط
به خمس حمائم هي رمز القارات ينعس الأطفال في حضون
أماتهم، تدمع عيون الرجال والنساء وهم يسمعون
رواية الميلاد وذكرى اليوبيل، لأنهم أصغر من الحدث
، ولان الحدث لم يحتويهم بعد ولم يغير ما في قلوبهم،
ولم يدخلوا المغارة بعد ليصيروا إلى جانب مريم
ويوسف والرعاة والمجوس.
" المسيح هو هو أمس واليوم والى الأبد" المسيح
هو الوحيد الذي يملك الدهر في أبعاده الثلاثة،
الماضي والحاضر والمستقبل، لأنه فادي الدهر ورب
الدهر وديّان الدهر.
أما بيت لحم … آه يا بيت لحم ! لم تختلفي كثيرا عن
زمن السيد المسيح . فلم يزل الميلاد يتم في ساحاتك
وفي مهدك بالخوف والخشية من هيرودوس - باراك. ولا
يزال هيرودوس يقتل الأطفال، ويقلع أشجار الزيتون .
أما بيت ساحور، فيختلط فيها صوت الملائكة المبشرين
: " المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام" ،
ببكاء الأطفال وأزيز الصواريخ التي تقصف بيوت
الآمنين العزل وتسرق ابتسامات العيد عن الشفاه. ألا
انظر يا رب من فوق وتعهد هذه الكرمة التي غرستها
يمنك. ورد الظلم إلى نحر صاحبه وانصف المظلوم
المستغيث! بجاه طفل الميلاد وأمه مريم! هذا الطفل
الميلادي كان بالأمس تحت الاحتلال الروماني ،
واليوم هو تحت الاحتلال الإسرائيلي. أما الذين
يعانون الاحتلال فهم ذاتهم أهل فلسطين ، وان اختلف
المحتل. وبعيد الميلاد سارت قافلة صغيرة، ضمت السيد
المسيح والقديسة مريم والرجل البار يوسف، خائفة
قلقه من بطش هيرودوس تبحث عن الأمان والحماية في
مصر. ولا يزال أطفال فلسطين يسيرون إلى مصر والى كل
العرب العرب سائلين العون والغيث والحماية
واسترجاع الحقوق. فإن مسيحيي العالم يحتفلون في
أوروبا وأمريكا بالعيد بالأضواء والفرح والهدايا
والاسترخاء تجاه مواقد نار الشتاء ، أما نحن ففي
بيت لحم ومحيطها من بلاد فلسطين والأردن، فنحتفل
بالعيد كما كان في المرة الأولى، خائفين من الدمار
الذي ينشره الظالمون المستكبرون في الأرض. ولكن لا
أحد يسلبنا فرحنا الحقيقي الداخلي لان الله
العمانوئيل هو معنا ، وإذا كان الرب معنا فلا خوف
علينا .
اولا المسيح بالامس
هو فادي الدهر
المسيح بالأمس…هو فادي الدهر، ويأخذنا إلى بيت لحم
العتيقة ويجول بنا في ساحاتها المبلطة بصلوات
المؤمنين، والمنيرة بشموع الدعاء وبخور العبادة،
ويهمس في مسامعنا قائلا لنا: " لأنني الإله
العظيم المتواضع صرت بشرا ولم اعد مساواتي لله
غنيمة بل تنازلت عن ذاتي وصرت إنسانا وأطعت حتى
الموت موت الصليب، وقد قطعت مسافة بين الألوهية
والإنسانية ، وهذه المسافة لا تقاس بمقاييس البشر.
وينقلنا طفل الميلاد مع أمه البتول ومربيه الأمين
إلى مصر حيث هرب من شر الإنسانية. والى القدس
بأسوارها الذهبية، هذه القدس التي لا تزال حيرى من
ظلم الإنسان ومحدودية مداركه. فهي مدينة السلام
وليست مدينة الانقسام مدينة الفداء وليست مدينة
الظلم والاحتلال ، وهي مدينة الأديان وليست مدينة
الطوائف. ويسير بنا إلى الناصرة حيث بشر الملاك به.
والى طبريا ليقول لنا ارموا الشباك، والى نهر
الأردن حيث تعمد داعيا المعمدين من بعده: " انتم
الذين قد اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح" .
والى كنيسة القيامة حيث تألم ومات وقام . والى جبل
الزيتون حيث صعد إلى السماء وودعنا قائلا أنا هو لا
تخافوا … إن المسيح هو هو بالأمس واليوم والى الأبد
". ويأخذنا المسيح من الأمس إلى اليوم ويسألنا
ماذا فعلتم بالفداء وكيف تعيشون مسيحيتكم؟
ثانيا المسيح اليوم
هو رب الدهر
المسيح اليوم هو رب الدهر . ولكنه لا يزال يشكل لغزا
بالنسبة لنا، ونحن لغز بالنسبة إليه . لأننا لم ننم
لنصل إلى قامته ولم نحب ما فيه الكفاية لنصل إلى حبه
ولم نتواضع بعد لنصل إلى وداعته . ولا يزال أسمه
مجهولا لدى الملايين. أما الملايين الذين يعرفون
اسمه فقد لا يعرفون سره ، ولا يزالون يدّعون الحق
عنه ويعملون على امتلاك امتياز البشارة بإنجيله ،
بدل أن يمتلكهم هو ويبشرهم هو ويوحدهم هو . ومنهم
القريب إليه والى إنجيله، ومنهم من يحمل الاسم منه
وحسب، ويكتفي ليلة الميلاد أن يحتفل بها دون رب
الميلاد. والحقيقة أننا لا نزال في طور الأماني
بالنسبة إليه: على ما تقول أنشودة اليوبيل: نهر
الأردن تباهى يوم رمت الاغتسال يوم قدست المياه قصد
أن تعطي المثال. أمك العذراء صارت أمنا تحت الصليب
ليت داري أمست اليوم دار يوحنا الحبيب " أما وحدة
المسيحيين فلا تزال ممزقة بعد ألفي عام وننشد: من
الآن نمضي صوب الشهادة وحدة الإيمان نبغي رغم أشكال
العبادة". نعم… إن المسيح هو المولود القائم
والمتألم الثائر والإنسان الإله نعم انه المسيح
بعد ألفي عام يطرح علينا السؤال:" هل أمي العذراء
هي أمكم حقا؟ ، وهل أخذتم المثال من عمادي في نهركم
الأردن؟ وهل انتم لا تزالون على الانقسام في
مسيحيتي العظيمة التي صارت بين أيديكم وبإرادتكم
عبر العصور من كنيسة واحدة إلى كنائس ومن رعية
واحدة إلى طوائف؟" نعم انه فادي الدهر بالأمس ورب
الدهر اليوم…وديّان الدهر إلى الأبد … ومن هذا
المنطلق يطرح علينا الأسئلة الواردة أعلاه بعد
ألفي عام من الفداء .
ثالثا المسيح الى
الأبد هو ديان الدهر
هو ديانكم بعد الموت هو الذي سينادي عليكم نداء
حسنا " تعالوا أيها المباركون" أو نداء رهيبا
" اذهبوا عني أيها الملاعين " . هو كائن وكان
ويأتي وهو الأول والآخر البدء والنهاية الألف
والياء . وهو الذي سيقول لك
- " مأخذي عليك هو انك تركت حبك الأول" ( رؤيا)
"
- إني لم أجد أعمالك كاملة في عين الهي" ( رؤيا)
- " اعلم انك لست باردا ولا حارا، وليتك باردا أو
حارا ! سأتقياك من فمي لأنك فاتر"( رؤيا)
- " وهاءنذا واقف على الباب اقرعه" ( رؤيا)
ومن ألقابه : القدوس والمهيمن والعزيز والحمل
المستوي على العرش ( رؤيا)
نعم هذا هو الميلاد 2000 ، هذا هو اليوبيل أن تذهب إلى
الامس وتتعقل وتدرك حقائق المخلص وتعتبر بالسلف
الصالح من الأنبياء والقديسين وعلى رأسهم مريم
العذراء وهي:" الملتحفة بالشمس والقمر من تحت
قدميها وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبا"(
رؤيا) . فتعيش الحاضر في ضوء قيم المسيح الفادي،
وتأخذ الخيارات الأساسية في حياتك وهي أن تكون
مسيحيا صادقا ملتزما في وصايا الرب ودستوره .
وتتطلع إلى الأبد حيث ستلقى الرب الرحيم الديان
فتدخل في نعيمه .
انه الميلاد الألفين وكل عام وانتم بخير جميعا
وانتم وعيالكم . والخير في الميلاد هو أن تكتشف حب
المسيح لك عندما فداك بالأمس ، وحب المسيح لك اليوم
هو أن تعيش مسيحيته الأصلية التي أعطاك، وحب المسيح
لك إلى الأبد عندما يدعوك إلى ملكوته . وإذا لم
تكتشف هذه القيم الميلادية اليوبيلية ، فأنت متفرج
حشري وخارج الحدث ومشاهد ثقيل الظل ولست شاهدا
مشاركا وليس لك مكان في ردهة العرس بل تقف بعيدا في
طرف ساحة المهد تتلهى بالحدث . وحتى وأنت واقف في
ساحة المهد تتفرج على المحتفلين بالعيد، كن حذرا
لئلا تصلك هدية الميلاد قتلا ودمارا كما جاءت إلى
أطفال بيت لحم الذين سالت دماؤهم على سيوف هيرودوس،
واليوم قد تسيل دماؤك على رصاصات باراك وشظايا
قنابله… فكن حذرا… أما أصحاب الحدث فهم يسوع ومريم
ويوسف والمجوس والرعاة والملائكة … ألا انضم إليهم
وصل معهم وكن في قلب الميلاد وفي قلب الطفل والطفل
في قلبك وكل عام وأنت بخير، والخير هو أن تكون مع
الطفل وأمه.
الأب حنا كلداني- الفحيص 23/11/2000
HOME
|