رسالة إلى الإسرائيليين



( نشرت في جريدة الأسواق ، بتاريخ 9/11/2000، وفي العرب اليوم 21/11/2000 وفي الرأي في 21/11/2000)

لا أتوجه برسالتي هذه إلى الفلسطينيين أو العرب عموما بل إلى الإسرائيليين. ولعل أحد الإسرائيليين من الأذكياء وأصحاب الضمائر الحية يلتقط هذه الرسالة ويترجمها إلى العبرية وينشرها إلى أبناء المجتمع الإسرائيلي. وفي رسالتي هذه لا ادعي معالجة قضية سياسية، بل اطرح قضية إنسانية روحية تمس ضمير الشعب العبري ، وهو صاحب التوراة، إذ يجل أبناؤه الكتاب المقدس ويحتكمون إلى شرعته ويصلون فيه المزامير( الزبور).

فرعون وموسى


كان فرعون حاكما، قويا وظالما . أما موسى فكان محكوما، ضعيفا ومظلوما. وموسى هذه كان " بطيء النطق وثقيل اللسان" ( خروج:4 :10) . وقد أوكله الرب رسالة التحرير بقوله على لسانه الثقيل إلى فرعون: " أطلق شعبي " ( خروج: 5 : 1). وسؤالي الأول إليكم أيها الإسرائيليون من هو الحاكم القوي والظالم هل هو عرفات أو براك. ومن هو من تناسبه هذه الآية:" قساة القلوب" ( خروج:32 :9) ؟ ومن هو الذي يتصلب في مواقفه ورأيه ولا ينفذ القرارات الدولية؟ " وصلب الرب قلب فرعون" (خروج9 :12) . فعرفات المسكين المحكوم المظلوم الضعيف يريد أن يخرج شعبه إلى ارض الميعاد التي أعطته إياها الشرعية الدولية . وها هي عيون الشعب الفلسطيني تنظر عبر الحدود لتدخل وتعيش بسلام. ولنعد جميعا إلى التوراة، فهل يعقل أن الذي كان في الامس مظلوما ومحكوما وضعيفا ( كناية عن موسى) يتحول إلى ضد ذلك؟( كناية عن فرعون). وهذا الشعب الفلسطيني لم يكن طارئا على فلسطين. وفلسطين لم تكن أرضا بلا شعب، وإن كان اليهود في ألمانيا وأوروبا شعبا بلا ارض. ووجود فلسطينيين في هذه البقعة من الأرض تثبته التوراة في قصة داود وجليات.

داود وجليات


كان داود هذا " غلاما أشقر جميل المنظر"(الملوك الاول17: 42) "ومقلاعه في يده"( الملوك الأول:17: 40) . أما جليات هذا فكان جبارا عنيدا مسلحا " بالسيف والرمح والمزراق"( الملوك الأول :17: 45) . وفي سياق هذا النص المقدس ، ندرك أن داود كان عبرانيا وجليات فلسطينيا. فأسألكم اليوم أيها الإسرائيليون من هو داود ومن هو جليات؟ أليس داود هو الصبي الفلسطيني قاذف الحجارة على جنودكم ، أليس جنودكم هم جليات بدبابتهم وصواريخهم وطائراتهم . من اقرب إلى صورة داود " الغلام الأشقر جميل المنظر" محمد الدرة أو الجنرال موفاز؟ ولنتفق ضمنا أن الفلسطينيين أطلقوا الرصاص عليكم ، أليست بنادقهم ورصاصاتهم الصغيرة المحدودة قد وافقتم على تزويدهم بها ضمن اتفاقيات السلام المعطلة؟ أليست حتى هذه البنادق البسيطة التي تحملها الشرطة الفلسطينية أشبه بسلاح داود( المقلاعة) مقارنة بترسانتكم( السيف والرمح والمزراق) ؟

دبورة وجدعون وشمشون وحزب الله والجهاد وحماس


لنعد إلى سفر القضاة في التوراة، لقد أرسل الله إليكم القضاة ومنهم الذين ذكرت، ليرفعوا الظلم عنكم، ومع اختلاف الظروف والأسماء والزمان وتشابه المكان، ألا ترون في حزب الله والجهاد وحماس قضاة فلسطينيين يحاولون رفع الظلم عن شعب اعزل ومحكوم وضعيف؟ كما فعل شمشون وجدعون ودبوره؟ فما الفرق في الشرعية والعدالة بين قضاة إسرائيل وقضاة فلسطين؟ وما هو الفرق عندكم بين البطل والإرهابي ؟

الهيكل والرومان والطليان والألمان وانتفاضة الصبيان


إن الهيكل بناه سليمان، ولم يهدمه العرب، هدمه الآشوريون مرة، ومرة أخرى الرومان . وجبل الهيكل وجده العرب خرابا وعمروا عليه الأقصى كما تقولون. فحقكم أيها الإسرائيليون إن كنتم أحفاد سليمان، ولا مانع لدينا، وانعم حسبا ونسبا، خذوه من الطليان أحفاد الرومان وليس من عدنان وقحطان. أما الذين حرقوا اليهود وسبوهم في الحرب العالمية الثانية فهم الألمان وليس العربان. واليوم… من هم الألمان في انتفاضة الصبيان؟ وأنتم أيها اليهود ألم تنتفضوا عبر تاريخكم؟ في وجه كل من: المصريين ( وكان قائدكم موسى)، واليونانيين ( ثورة المكابيين) والرومان( فهدم تيطس هيكلكم)… وهل انتفاضتكم حلال، وانتفاضة الفلسطينيين حرام؟

" لا تطبخ الجدي بلبن أمه" ( خروج: 23 : 18 )


هذه الآية حرمت على اليهودي في أكله الجمع بين اللحم ومشتقات الألبان، خوفا أن تكون هناك صلة قربى بين الجدي ومصدر اللبن؟ وهذا هو التفسير اليهودي الحرفي لقول التوراة. فعلى الأقل هذه الآية بجانب العرب ولا سيما الأردنيين، لئلا يدعي الإسرائيليون أن المنسف، وهو طبيخ من اللحم واللبن، حقا شرعيا لهم، أو اكتشافا يهوديا، فيسعون لمفاوضتنا على حق اختراعه. فالحمد لله أن المنسف في أمان في سياق مفاوضات السلام! ولا أقول هذا مزحا أو عبثا، لان الإسرائيليين يسوقون الفلافل الفلسطينية سياحيا على أنها أكلة إسرائيلية. أما معنى الآية الروحي هو أن لا تتمادى بالظلم فتصل إلى درجة أن تطبخ الجدي بلبن أمه، فيتعدى ظلمك جيلا بعد جيل. وسؤالي إليكم أيها الإسرائيليون ألم تطبخوا الجدي بلبن أمه مرارا وتكرارا مرورا بهذه التواريخ والأحداث: 1948، 1967، 1982 ( صبرا وشاتيلا) والانتفاضة… الخ . ألا يوجد بينكم رجل دين عاقل، حاخام، أو صاحب ضمير حي فيقول لكم : " كفاكم ظلما! " . فقد أرسل الله إليكم الأنبياء في العصر التوراتي ، فهل زالت اليوم روح النبوة من أوساطكم؟ أما روح النبوة فهو العدل والسلام والحق والمحبة!

وأخيرا…


أيها الإسرائيليون… لست سياسيا ولا اطرح حلولا سياسية، فلمثل هذه الحلول أصحابها عندنا وعندكم. ولكنني أومن بالتوراة، ولكن ليس على طريقتكم، على الأقل في قضية الجدي ولبن أمه. فعندكم التفسير في باب الأكل، وعندنا في باب العدل. ولا بأس أن تأخذوا في تفسيرنا بباب العدل. فالتوراة هي كتاب مقدس عندنا نحن معشر المسيحيين، ونستنير بضياء العدل والمحبة التي بين دفتيها. وأكرر أمنيتي على إسرائيلي ذكي وصاحب ضمير حي من الذين يطالعون صحافتنا الأردنية أن يترجم هذا المقال إلى العبرية وينشره بين بني شعبه.


الأب د. حنا كلداني ، الفحيص _ الأردن

HOME



 

1