لا يا
باركنسون لن تستطيع أن تقهر هذا الرجل
لا اعني هنا ج. باركنسون نفسه الطبيب
الانجليزي (+1824)، بل المرض الذي وصفه وسمي باسمه ،
مرض باركنسون. هذا المرض لمن لا يعرفه، يدعى ايضا
بمرض الشلل الارتعاشــــي Paralysis Agitans وهو تعبير
أوضح عن وضع المريض به. فهو شلل لانه يضعف مقدرة
المرء على الحركة بسبب تصلب عام للعضلات، فترى
المصاب يمشي بخطوات قصيرة ويصعب عليه القيام
بالحركة وخصوصا الدقيقة منها كالكتابة أو الرسم.
وهو إرتعاشي لأن المصاب يرتجف باستمرار، خصوصا عند
بدء أي حركة مقصودة .
أما أكثر ما يعانيه المصاب هو خلو وجهه من القدرة
على التعبير. فعدم القدرة على إعطاء تعابير البهجة
والفرح أو الحزن والتكدر يضعف القدرة على التخاطب
والتبادل الاجتماعي وخصوصا لمن يعرف تماما اهمية
لغة الجسم من الفنانين والممثلين. ومن غريب الصدف
ان قداسة البابا المصاب بهذا الداء، هو نفسه كان
يمارس هواية التمثيل قبل انخراطه في السلك
الكهنوتي.
وهذا بالذات ما أردت ان أكتب عنه في قداسته. وهذا ما
خطر ببالي وأنا أراه عن كثب في إستاد عمان الرياضي.
وتساءلت: "كيف يستطيع هذا الجسد الوهن، الذي تعرض
للكثير من الاحداث الجسام ، من بطش حكام بولندا الى
رصاصة علي اغا، ومن كسر في عظم الورك الى استئصال
ورم في القولون، ومن التقادم في السن الى الشلل
الارتعاشي! كل هذا ويتساءل المرء كيف يستطيع هذا
الرجل ان يأمل وان يحقق، ان يخطط وأن ينجز، أن يدعو
وأن يٌلبى؟"
عندما بلغ زهير بن أبى سلمى طواعن العمر قال:
سئمت تكاليف الحيـــاة ومن يعش ثمانين حولا لا
أبــــــا لك يسأم
قبل زيارة قداسة البابا الى الاردن كنت في إحدى
اللقاءات مع سيادة أسقفنا سليم قد تساءلت عن سر قوة
هذا الرجل؟ وكيف انه لا يزال يخطط للقيام بزيارات
طويلة ومتعبة؟ اذكر أن سيادة الأسقف أجابني
وبطريقة حسبتها لا تخلو من الغموض، أن الله قد يكون
لا يزال يهيئ له رسالة لم ينجزها بعد.
في إستاد عمان مر ببالي هذا الجواب وانا ارقب صاحب
القداسة عن بعد. لماذا لا تكون هذه الرسالة لي
شخصيا؟ نعم ولما لا؟ ولما لا تكون رسالة لكل واحد من
هذه الجموع؟ وبطريقة خاصة؟ لقد عجز قداسته عن إظهار
عواطفه عند سلامي عليه ، نظرا لمرضه القاسي ولكنني
شعرتها في ارتجافة يده وفي رمشة عينيه وفي بركته.
لقد شعرت بقوة هذه اليد الواهنة، وكم من قبضة قوية
نلمس فيها وفي صاحبها الضعف والفراغ! ولكن ليست تلك
اليد. فمنطق القوة والضعف ينعكس تماما لمن يحيا في
المسيح، فحب القوة الفطري في البشر ينقلب الى قوة
الحب في الاله. في هذا نلمس قوة خليفة بطرس ، وفي هذا
نلمس فعل الروح القدس. في هذا ظهر الاول بيننا سيدا
لنا، لا بمنطق العالم في السيادة، بل بمنطق سيادة
الملكوت.
عندما انحنيت وقبلت تلك اليد المرتجفة تمثلت لي يد
أخرى، واهنة مثلها ايضا، كانت قبل الفي عام تنزف
دما فوق خشبة. وتمثلت لي يد الراعي المؤتمن على
الخراف البيضاء والغنم السمراء. وتمثل لي قصة
الالفي عام من التاريخ الإيماني، المجيد بقدسية
مؤسسه وراعيه، والبشري بضعف اتباعه.
أردتها قبلة مجاملة تلك التي طبعتها على اليد
المرتجفة، ومن حيث لا أدري خرجت قبلة أيمان
بالخلاص، نصارع طويلا للوصول اليه. وخرجت قبلة رجاء
بالوعد الالهي، نظن أحيانا ان لا حاجة لنا به. وخرجت
قبلة محبة، كثيرا ما نستغني عنها. لقد كانت قبلة
إكبار وإجلال لجسد ضعيف واهن ولروح مستعدة لا تعرف
الكلل.
ولكن من يأبه للجسد وهو في غمرة هذه الروح ؟
الدكتور ابراهيم شوباش
الفحيص26/3/2000
HOME
|