عندما يكون الأردن كبيرا



مقال نشر في جريدة الرأي يوم26/12/1999 ،على إثر إلغاء وزير التربية والتعليم عطلة عيد الميلاد قبيل العيد بيوم واحد، أي يوم 24/12/1999

لقد فاجأنا قرار وزير التربية والتعليم الأكرم يوم الجمعة 24/12/1999 ، بإلغاء عطلة المدارس والجامعات يوم عيد الميلاد. وقد جاء قرار معالي الوزير خجولا ، كأنه يتراجع عن قرار سابق بتعطيل المدارس والجامعات. ويبدو أن الجامعات والمدارس قد استوعبت قرارا سابقا بتعطيل المدارس يوم 25/12/1999. إذ جاء في الخبر"… فقد أصدرت غالبية المدارس الحكومية والخاصة تعليماتها للطلاب باعتبار يوم غد السبت عطلة رسمية.." . ومن ثم قامت الوزارة بتفسير قرارها السابق بأنه عدم التعطيل. فغدت الوزارة حيرى في أمرها .وحتى القرار جاء بحد ذاته جافا، كجفاف الموسم المطري هذا العام: " لا عطلة للمدارس والجامعات يوم غد السبت" ، كأن هذا السبت نكرة وليس عيد الميلاد. أما كان الأجدر لمعاليكم أن يهنئ طلبته بالعيد ، ألا وانتم ، على الصعيد التربوي، رئيسهم الأعلى . وهل يتماشى هذا القرار مع سياسة الانفتاح والحركة العالمية بالاحتفال بعيد الميلاد؟ وانه الأخير في القرن العشرين؟ ولما قرأت القرار قلت في نفسي: … " ول" ( وهي لفظة في اللهجة الأردنية تدل على الاستهجان والتعجب)… يا ليت الوزير عدّ يوم عيد الميلاد يوم "ثلجة" على الأقل وعطل المدارس والجامعات ، وهل يوم " ثلجة " أهم من عيد الميلاد. فما أن يلملم الغيم أطرافه في كبد السماء، ويأتينا خبر موجة برد وثلج،من سيبيريا مرورا بتركيا، وقد لا تصل إلينا!! وحتى قبل سقوط الثلوج يتسابق الناطق الرسمي باسم التربية ومدراء المدارس والجامعات على البث المباشر ويعلنون تعطيل مؤسساتهم . فإذا السماء لم ترحمنا بعد بالغيث، وأتساءل، انستحق هذه الرحمة؟ ألا نرحم أنفسنا ونتعامل مع قضايانا ومشاعر المواطنين ببعض الحنان والإنسانية وحسن التصرف وبعد النظر . إن الجرائد اليومية تزخر بأخبار الألفية والمغطس ويوحنا المعمدان والسياحة والحوار …الخ، حتى انه في ليلة العيد بث التلفزيون الأردني مشكورا قداسا في جبل نبو، الصياغه، حضره سمو الأمير الحسن، حفظه المولى تعالى. في هذه الأجواء الميلادية والألفية أما كان الأجدر تعطيل المدارس والجامعات؟ من ناحية أخرى لقد أعلنت السلطة الفلسطينية عيد الميلاد عيدا رسميا ووطنيا، فهل سبقنا الفلسطينيون في هذه الناحية وأدركوا قبلنا أهمية الميلاد وعالميته، وهل الميلاد للفلسطينيين ويحرم منه أبناء الأردن؟ ألم يتعمد السيد المسيح في نهر الأردن ؟ وقيل انه تعمد على ضفته الشرقية ، وقيل انه تعمد في وادي الخرار داخل الأراضي الأردنية إصرارا على أردنية عماد المسيح!!! أذن لماذا كل هذه " الطنطنة " للألفية والمغطس والسياحة والحوار…الخ، إذا كان الأردن الكبير عاجزا عن تعطيل مدارسه وجامعاته في يوم عيد ميلاد المسيح العظيم. واعتبر يا أخي يوم الميلاد يوم " ثلجة" ! أقول قولي هذا ليس من باب الدفاع عن الأقلية، لأننا لسنا أقلية بل من صلب صلب هذا الوطن ومن العرب العرب الإقحاط الذين احتفلوا بالميلاد قبل أوروبا وأمريكا في كنائس هذه البلاد الجميلة المفروشة بالفسيفساء. وإنما أقول قولي هذه متوكلا على الله سبحانه تعالى رب العبّاد أجمعين، وقلبي على الأردن الكبير الذي احب واعشق، وأخشى أن يكون صغيرا، لا قدّر الله!

الأب حنا كلداني


HOME
                       

 

1