تنبؤات الإمام الشيرازي بالأمن المائي العالمي
بقلم:
الدكتور علي حيدر لوعيه
بعمق التحديات والأخطار التي تحيط بالإسلام والأمة، ولأنه يراقب تطورات الإحداث
بيقظة وتأمل ولإيمانه بقدرات الإنسان وما ينطوي عليه من طاقات، ولثقته المطلقة
بمبادئ الدين وتعاليمه، لذلك كان الإمام محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره) محلّقاً
دائماً في تطلعاته، وقد يراه البعض خيالياً مثالياً فيما يطرح من مشاريع وتنبؤات
وخطط وبرامج مستقبلية، لكنه يبرهن على إمكانية تحقيق أطروحاته المستقبلية
بالإمكان العقلي، وبالتوجه الديني الذي لا يأمر بالمحال كما يقدم بسيرته العملية
وإنجازاته الفعلية دليلاً على إمكانية تحقيق ما يستبعد تحقيقه.لقد تنبأ وبنظرة
ثاقبة وواعية مشكلات عصره قبل وقوعها، وكان يرى ما لا يراه الآخرون، وعليه فإن من
الأمور التي أثار اهتمامه وقلقه منذ أكثر من عشرين عاماً مسألة مهمة تتعلق بالمياه
ألا وهي الأمن المائي. فالمياه
ثروة إلهية مجانية ينبغي المحافظة عليها والعمل على تنميتها وتطوير مصادرها، وهي
نعمة كبرى من نعم الله سبحانه وتعالى يجب شكرها حتى يبارك الله في مواردها
ومصادرها، وهذا مما جعل الإمام الشيرازي من أوائل المنظّرين الاعتباريين الذي يرى
أن مسألة الحفاظ على الثروة المائية وصيانتها تتعلق بإستراتيجيات التنمية
الاقتصادية للدول الإسلامية حيث يقول: (لابد من الاستغلال الأمثل للماء الذي له
تأثير بالغ على استراتيجيات التنمية، ومن ثم تكتسب القضايا المتعلقة بالمياه
بعداً أمنياً وسياسياً خطيراً سيؤدي إلى توترات دولية مستقبلية). وعليه
فالإمام ينظر إلى مسألة المياه ومسألة الزراعة والتغذية نظرة شمولية متكاملة، حيث
شغل الجدل الدائر حول مستقبل الموارد المائية في الدول الإسلامية حيزاً واسعاً من
اهتمامات وقلق الإمام، وبذلك أكد (طيب الله ثراه) على عمق ارتباط أخطار تقلص
الموارد المائية في الدول الإسلامية المترافق مع التوسع السكاني أولاً، والحاجة
إلى المشاريع الزراعية التي تؤمّن حاجة القادمين الجدد من الغذاء ثانياً، والتطور
التقني في مضمار إقامة المشاريع الاروائية ثالثاً. ولهذا فقد تفرد الإمام الشيرازي
في هذه الطروحات الفذة والتي أعلنها سماحته منذ عدة عقود من أن السيطرة على المياه
أصبحت أحد أبرز الأهداف التي تتطلع لها الدول المشتركة بالأنهر وبهذا ترتبط
البرامج المائية والاقتصادية مع الأهداف السياسية، فهي أزمة موارد والتي يدعوها
بأزمة الأمن المائي والأمن الغذائي فيعرّف الأمن المائي (أنه حماية الموارد
المائية المتاحة في البلدان الإسلامية من التهديدات الخارجية وضمان استمراريتها
وحرية استخدامها وفق المتطلبات والأولويات الإسلامية، والقدرة على تطوير هذه
المصادر المائية وتنميتها بما يتلاءم مع الاحتياجات المتجددة للمياه في المستقبل
المنظور للعالم الإسلامي). إن
التقييم الموضوعي لمفهوم الأمن المائي عند الإمام، وسبقه على التأكيد على أهمية
هذه المسألة؛ يدلّنا على أن الفقيد ينطلق من نظرة الإسلام ومن أساس معرفي عميق
الجذور في الفكر الإسلامي، فيعتبر أن الأمن المائي لا يقل أهمية عن سواه، بل أن
أهميته تفوق كل ما سواه نظراً لإمكانية تحقيق المزيد من الغذاء بطرائق زراعية
وصناعية مختلفة، بينما تبقى إمكانيات زيادة المصادر المائية العذبة محدودة. ثم
ينتقل الإمام الشيرازي إلى توضيح الأسس التي يرتكز عليها مفهوم الأمن المائي
بمفاهيم علمية دقيقة وثاقبة باعتباره رديف استراتيجي للأمن الغذائي الإسلامي
الشامل، وهذه الأسس تثير دهشة العلماء والمفكرين المعاصرين بسعة علم الإمام
وتنبؤاته، ودقة وصفه لتصورات الأمن المائي الإسلامي والتي ترتكز
على: *اعتبار المياه ليست سلعة رخيصة وسهلة، وبالتالي فأن هدرها
وعدم الترشيد في استخدامها سيؤدي إلى إلحاق أضرار اقتصادية وبيئية، ولعل متابعة
نصوص السيد الإمام في باب الإسراف والتبذير في الماء ما يعجز الحصر والعد. *اعتبار المياه إحدى المتطلبات الأساسية للتنمية، إذ من دون
المياه لا يمكن القيام بعمليات التنمية في القطاعات الاقتصادية. *في منطقة مثل منطقة الشرق الأوسط بالذات حيث الندرة في
المياه هي الأساس، والتناقص بين محدودية الموارد المائية وتزايد الطلب على
المياه، تصبح المياه ثروة استراتيجية يستطيع من يمتلكها أن يؤثر على الوسط المحيط
وأن يوسع دائرة نفوذه. *اعتبار الهدف الأساس للأمن المائي الإسلامي هو تحقيق: (الكفاية,
الاستدامة، العدالة، الإدارة المستقلة للموارد). *إن
التنافس على مصادر المياه بين دول المنطقة يجعل هذه المادة الحيوية ذريعة حرب، وقد
تتخذها بعض البلدان مسوغاً لشن حروب ضد جيرانهم للاستيلاء على مياههم أو للحصول
على حصة كافية من الموارد المائية، وفي جانب آخر نرى الإمام يحذر بأن الصراعات
القادمة ستكون صراعات المياه حيث يقول(في الوقت الراهن تخوض الدول حروباً من أجل
النفط، أما في المستقبل القريب فقد تصبح المياه العامل المحرك للنزاعات المسلحة). وفي
مورد آخر يحذر السيد الفقيد من أن المياه هي المادة السريعة الالتهاب، إذا لم يتم
تنظيمها وبقيت على فوضويتها الراهنة، فان ليس بإمكان أحد السيطرة عليها، فيقول (قدس
سره) إن الماء؛ وليس النفط هو المادة السريعة الالتهاب وإذا لم تتم عقلنة الماء،
وبقيت هذه الثروة على عشوائيتها الراهنة، لن يكون بإمكان أحد السيطرة على
الاحتمالات التي لا بد من أن تتفجر بفوضوية هائلة محدثة احتمالات العمل العسكري
الواسع النطاق. وتؤكد
صحة هذه الرؤى بالنظرة المستقبلية للمياه هو أن هناك الكثير من العلماء والباحثين
أكدوا صحة تنبؤ الإمام وتوقعاته بأن الحروب القادمة حروب المياه، وقد أشار إلى هذه
الحقيقة المتكلمون في ندوة (المياه خطر القرن القادم) الذي انعقدت في استكهولم (السويد)
عام1997، وكان من أبرز من أشاد من صحة توقعات الإمام؛ العلماء المشاركون مثل وليم
بروس، ودونالدو ماك وغيرهم، مؤكدين بما لا يقبل الشك صحة تنبئه حول مستقبل الثروة
المائية وما تكسبه هذه القضية بعداً أمنياً وسياسياً خطيراً والذي سيؤدي إلى
توترات دولية مستقبلية. *يوضح
الإمام الراحل (طيب الله ثراه(إن
خصوصية الأمن المائي الإسلامي تنبع من العوامل التالية: (1)
محدودية التحكم بالموارد المائية السطحية المشتركة التي تشكل60% من المياه السطحية
في البلدان الإسلامية. (2)
تدهور كفاءة المياه سواء بسبب تلوث المياه الجوفية والسطحية نتيجة طرح المكونات
الصناعية ومياه الصرف الصحي. (3)
اختلال التوازن بين الموارد المائية الإسلامية والطلب المتزايد على المياه،
وتزايد أخطار عدم ترشيد استخدام المياه. (4)
المناخ اللاتصالحي بين دول الحوض المستهلك ودول الجوار الإقليمي التي تنبع
الأنهار الكبرى من أراضيها. (5)
وجود عدد من الأزمات الدولية المزمنة التي تحولت مع مرور الزمن إلى بؤرة توتر دائم
تحرم البلدان الإسلامية من استخدام مواردها المائية لأغراض التنمية، والمقصود هنا
مشكلة الأكراد في شمال العراق، ومشكلة الجنوب في السودان، ومشكلة جنوب لبنان. وليس
صدفة أن تتواجد أطراف المثلث (إسرائيل، أثيوبيا، تركيا) وأن تتعاون في التأثير على
هذه المناطق. (6)
أطماع إسرائيل في مياه الدول الإسلامية المحيطة بها. إن كل
نص من نصوص البحوث السابقة حول مسألة الأمن المائي يدل دلالة واضحة على الأسس التي
يرسي عليها الإمام الراحل مبادئه وغاياته والمستمدة من روح الإسلام السمحة
ومبادئه الإنسانية لما لها أثر في إشاعة الطمأنينة والأمن الحقيقي للمسلمين
وتمتعهم بحقهم الشرعي الذي وهبة لهم الباري عز وجل لتلبية كافة احتياجاتهم
المستقبلية. لذلك
فقد تفرد الشيرازي الراحل بإيجاد أهم السبل الواجب إتباعها من أجل إنهاء الصراعات
المائية وتطوير الموارد بين دول الأحواض المائية والتي تساهم في الحد من الصراعات الحالية
والمستقبلية: (1) احترام قواعد وأحكام القوانين الدولية والإسلامية بتنظيم المياه في
الأنهار الدولية برؤى إسلامية حديثة من خلال الاتفاقيات والمعاهدات ومشاورات بين
دول حوض النهر الواحد حول توزيع الحصص بشكل عادل ومنصف اعتماداً على مبادئ الشرعية
الإسلامية الحنيفة. (2) الحث على عدم استخدام المياه كأداة ضغط وسلاح من قبل دول منبع النهر ضد دول
المصب. (3)
التأكيد والتمسك بمبدأ أن تكون المياه أساساً للتعاون بين دول الحوض المائي، لا
سبباً لنشوب حروب ونزاعات مستقبلية. (4) إيجاد الصيغ المناسبة للعمل على تقليل نسب الهدر بالمياه عبر إدخال سبل
الري الحديثة في الزراعة مثل الري بالتنقيط (وهو الأسلوب الذي نادى به الإمام منذ
ثمانينيات القرن الماضي حول مسألة الإسراف في المياه)، وكذلك الولوج في أبحاث
ودراسات علمية الابتكار وسائل حديثة التحسين إنتاجية المحاصيل بأقل كمية من
المياه.(5) تنمية الموارد المائية من خلال استخدام تكنولوجيا المياه عن طريق إدخال
الأصناف الزراعية غير الشرهة للماء في الحقل الزراعي، وكذلك البحث عن أنواع من
المزروعات التي تتحمل السقاية بالماء الأجاج أو بماء البحر. (6)
إيلاء الأبحاث العلمية اللازمة لتقليل نفقات إنتاج المتر المكعب من مياه التحلية،
بغية تنمية الموارد والحد من التنافس على المياه الشحيحة، لأن الإمام الشيرازي يرى
أن تحلية مياه البحار ربما تكون في المستقبل طوق النجاة لمواجهة
الزيادة المطردة في سكان العالم وبالأخص سكان المدن الساحلية. (7) يرى السيد الإمام أن إعادة استخدام مياه الصرف الصحي مرة أخرى من السبل
المهمة في تطوير الموارد المائية لأن العلم قد مكن البشر من معالجة مياه الصرف بطرق
علمية متعاقبة كالطرق الفيزياوية والكيمياوية والبايولوجية لأجل الوصول إلى ماء
معالج صحي، لكن العوائق التي تحول أو تقلل من تحقيق ذلك ليست عوائق تقنية لكنها
عوائق نفسية لا أكثر ولا أقل. (8) حث
المنظمات الدولية والإسلامية(الأمم المتحدة، جامعة الدول العربية، منظمة الدول
الإسلامية، البنك الدولي، وكالة التنمية الدولية..) على منح المساعدات المالية
والقروض اللازمة للدول التي تلتزم بقواعد القانون الدولي والتعاليم الإسلامية
الخاصة بشأن المياه، واللازمة لإنشاء المشاريع المائية المتعلقة بأغراض التنمية.وعليه,
فهذا ما استلهمناه من الفكر الإبداعي للإمام الشيرازي فيما يتعلق بأهم السبل
لتطوير السياسة المائية والأمن المائي الإسلامي والتي نادى بها الإمام الفقيد
وشخّصها منذ عدة عقود من السنين والتي تنم عن بعد نظره ونهجه الحضاري الجلي الواضح
لتطوير المجتمع الإسلامي ووضعه في مصاف المجتمعات المتقدمة تقدماً حقيقياً حسب ما
يراه الله سبحانه وتعالى وبسبب ذلك سيصبح في إمكان المسلم أن يؤمّن مستقبله وأمنه
المائي والحضاري، كما أن الالتزام الحقيقي بهذه السبل سيقلل ويمنع من فرص نشوب
الحروب بين دول المنطقة. وهكذا
يختتم الإمام محمد الحسيني الشيرازي (طيب الله ثراه) دعوته إلى بذل المزيد من
الجهود اللازمة للخروج من المأزق المائي في الأراضي الإسلامية حفاظاً على السلام
العالمي وحقناً للدماء التي قد تسيل في الأحواض المائية بدلاً من المياه.
|
|
|
موقع نبوءات |