تنبؤات برنارد لويس ومستقبل الشرق الاوسط 

بقلم :  عبدالرؤوف التل

ليتنا نقرأ ما يكتبون، ونتدبر توقعاتهم وتنبؤاتهم، لا بل مخططاتهم ومؤامراتهم التي لا تكل ولا تهمد، بل تستمر وتزيد يوما بعد يوما، معتمدة على العلم والدراسة والبحث الميداني والواقع المأساوي الذي تعيشه منطقة ما يسمى بالشرق الاوسط.

هذه المنطقة التي كانت مركزا للحضارات، وحاضنة الاديان السماوية وكانت موطن اول مجتمع عالمي ذي ثقافة بينية بكل ما للكلمتين من معنى وكان مركز انجازات عملاقة في كل حقل من حقول العلوم والتكنولوجيا والثقافة والفنون وكان قاعدة لامبراطوريات متتالية شاسعة وعظيمة.

بهذه العبارات انهى »برنارد لويس« كتابه، الذي يحمل عنوان تنبؤات برنارد لويس مستقبل الشرق الاوسط الذي قامت بترجمته »دار رياض الريس« للكتب والنشر، وصدرت طبعته الاولى في كانون الثاني عام 2000م في بيروت.

وقبل الحديث في موضوع الكتاب لا بد من ذكر سطور عن الكاتب »برنارد لويس« بالتأكيد، ان اسمه ليس غريبا عن المثقفين العرب بصفة عامة، والمثقفين الاسلاميين بصفة خاصة، لان »برنارد لويس« كاتب منحاز لاسرائيل والصهيونية اولا، ومؤمن بالتوجهات الامريكية في الشرق الادنى، لانه احد المفكرين المنظرين لهذه السياسة في الجامعات الامريكية.

برنارد لويس انكليزي الاصل، امريكي الجنسية حاليا يهودي الديانة. مهتم اهتماما خاصا بالشرق الاوسط، استاذ لتاريخ الشرق الادنى، الف العديد من الكتب بهذا الموضوع منها الغرب والشرق الاوسط، والحشاشون. احتفظ بهذين الكتابين في مكتبتي منذ سنوات عديدة، ما يلاحظ على كتاباته الخاصة بالتاريخ الاسلامي انه يبرز الشوائب والاعشاب الضارة التي ظهرت طوال التاريخ الاسلامي ويحاول ان يقنع بها من يتابع مؤلفاته انها اصل وجذر لهذا التاريخ. من ذلك ما ذكره في كتاب الحشاشين وكتابه اصول الاسماعيلية والفاطمية والقرامطة.

وكتاب تنبؤات »برنارد لويس« مستقبل الشرق الاوسط، جدير بكل مثقف سياسي عربي ان يقرأه بعمق وتأمل لنعرف كيف يخطط رجال الفكر في الولايات المتحدة، وكيف يتنبؤون لهذه المنطقة التي تمر بالاحداث الجسام، ويسيل لعابهم لما فيها من ثروات وخيرات، ولموقعها الاستراتيجي الهام وسط العالم.

ان مصطلح الشرق الاوسط كما يذكر »برنارد لويس« مصطلح بدأ استعماله منذ نهاية القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر، حيث بدأت الحملة الفرنسية باحتلال مصر والتي انتهت عندما طردها الانكليز بقيادة الاميرال »نلسون« وهذا خطأ تاريخي، حيث ان الحملة الفرنسية انتهت بفضل جهاد الشعب المصري وبطولته الحازمة في مقاومة الاحتلال الفرنسي، بل شارك الشعب العربي بأسره في الجهاد ضد الغزوة الفرنسية لمصر من بلاد الشام ومصر، لكن يأبى الغرب ان يعترف بجهاد ابناء البلد في طرد المحتلين ليثبتوا مقولة ان الشعوب العربية لا ارادة لها، ولا تطيق الحرية.

ومن الامور التي يعجب لها المرء، كيف رضي لنفسه مؤرخ ان يذكر ان حملة عسكرية صغيرة تستطيع احتلال بلد عربي دون صعوبة، وان حملة غربية اخرى قادرة على اخراج المحتل الاول، بينما تذكر الحقائق التاريخية انه ما من بلد عربي تعرض للاحتلال الا وجوبه المحتل بمقاومة شرسة قوية كانت نتيجتها ان خرج المحتل يجر اذيال الهزيمة، وربما كان اطول احتلال لبلد عربي هو الجزائر، حيث جثم عليها الاحتلال قرابة مائة وثلاثين عاما، خرج بعدها مهزوما بفضل تضحيات الشعب الذي حرق الارض تحت اقدام الغزاة المستعمرين.

ما يؤسف له انه في حالة ضعف دول الشرق الاوسط، انها اصبحت تخضع لقوى خارج المنطقة، وان هذه المنطقة تشهد الان رسم حدود وصراعا وتنافسا بين قوى اجنبية من خارج المنطقة، بل ان بعض قادة المنطقة يذهب لدعوة قوى خارجية للتدخل، اعتقادا منهم ان قوى اجنبية وحدها قادرة على اتخاذ القرار وفرضه، واقدم مثال على ذلك الدعوة المتكررة لتدخل الولايات المتحدة في الصراع العربي الاسرائيلي في الوقت الذي تتعالى فيه صرخات الاتهام ضد الاستعمار الامريكي.

برنارد لويس في تنبؤاته لمستقبل الشرق الاوسط يرى ان دعوة الاسلاميين للديمقراطية دعوة خادعة وغير صحيحة وان دعوتهم اليها هي بهدف الوصول للحكم، وعندما يتحقق هدفهم ينقضون على الديمقراطية وكل من يخالفهم الرأي، مع ان الحقيقة ان الاحزاب والنظم الدكتاتورية الفاسدة هي التي انقضت على الاسلاميين وعلى الديمقراطية التي افرغوها من محتواها وهم في ذات الوقت يرفعون الصوت عاليا بالدعوة للحرية والديمقراطية، وهم يحملون في ايديهم آلاف الخناجر المسمومة ليغرزوها في صدر الاخرين، الذي هم دائما ضمير الامة الحي من الاسلاميين والشرفاء.

من التنبؤات التي يعلنها »برنارد لويس« قوله: انه الديمقراطيات قد تفاوض ديمقراطيات اخرى وتساومها، ولكن الامر يكون اصعب مع الاديان ويبيت مستحيلا اذا كانت الاديان اصولية، هذا قول يعني ببساطة ان الشعوب في المنطقة يجب ان تتخلى عن قيمها وتراثها وتاريخها، وان تسلّم للقوى الاخرى بالهيمنة والسيطرة.

يتنبأ »برنارد لويس« بان الدول العربية هي الاكثر تعرضا لخطر التفكك وانها ليست الوحيدة، فالاتجاه نحو التفكك سيزداد بتشجيع من الشعور الاثني والشعور الطائفي المتناميين، وقد تسربت الفكرة المغرية بحق تقرير المصير الى عدد من الاقليات الاثنية التي لم تعد تكتفي بوضعها السابق، لكن »برنارد لويس« لم يبن لنا من الذي يغذي عملية التفكيك في الدول العربية والذي لا يريد لدولة عربية واحدة ان تأخذ وضعها الطبيعي تحت قبة السماء.

الجواب ان الذي يساعد ويغذي عملية التفكك هو الغرب الاستعماري بقيادة الولايات المتحدة والصهيونية العالمية.

ومن التنبؤات المرة، ان النفط لا بد ان ينضب في يوم من الايام وهو المصدر الاساسي للثروة في الشرق الاوسط الذي لم تعد الزراعة كافية لاطعام جميع سكان المنطقة والحاجة للطعام تتنامى في استمرار، والطعام يعتمد على الزراعة التي تعتمد على التربة والماء، ولكن الشرق الاوسط لا يملك السهول الشاسعة الموجودة في مناطق العالم فمعظم سطحه جبال وصحارى بينما المناطق الزراعية محدودة وتعتمد على الانهار، وتدور حول الانهار مشاكل تقنية وسياسية في آن معا، هذا يعني في نظر الكاتب ان الصراع في المنطقة سيمتد ويطول، فأنهار العالم العربي مثل النيل والفرات ودجلة والاردن تشهد صراعات مع الاخرين لا بل لها من ارادة عربية حازمة وقوية تنهي عملية الصراع حول الانهار لصالح الذين لهم الحق في مياه الانهار العربية.

من التنبؤات الخطيرة التي ينثرها »برنارد لويس« في كتابه قوله ان هناك ثلاثة عوامل يمكن ان تساعد في تحويل الشرق الاوسط هي تركيا - اسرائىل - والنساء وفي السابق نأت تركيا بنفسها عن المنطقة ووقعت اسرائىل في عزلة وتعرضت النساء للقمع فمن بين العوامل الثلاثة تكتسب اهمية خاصة »فهن« لو سمح لهن للعبن دورا اساسيا في ادخال الشرق الاوسط في عصر جديد من التطور المادي والتقدم العلمي والتحرر الاجتماعي السياسي فمن بين جميع سكان الشرق الاوسط تملك النساء اكبر مصلحة في التحرر الاجتماعي والسياسي يتساءل المرء لماذا وضع »برنارد لويس« النساء في الشرق الاوسط بين اسرائىل وتركيا في العوامل المؤثرة في تقدم الشرق الاوسط؟ اعتقد جازما ان الهدف هو زيادة التفكك في المجتمع الشرق الاوسطي بين شقي المجتمع الرجل والمرأة، الهدف هو ايجاد شرخ في العلاقة بين ابناء الشعب الواحد النساء والرجال لذلك اراد ان يركز على النساء ويعطيهن دورا مستقلا عن الرجال في الوقت الذي يعرف فيه الكل ان المجتمع الانساني يتكون من الرجال والنساء وانهم يكملون بعضهم البعض وان رحلة الحياة لا يمكن ان تستمر بدون التكامل والتعامل بين شقي المجتمع، وما اروع تعبير نبي الاسلام محمد صلى الله عليه وسلم عندما قال: »النساء شقائق الرجال«.

في الدول الكبرى يعطى مجال للمفكرين في ان يدرسوا ويفكروا ويخططوا ويتنبأوا ثم يأتي قادة السياسة لينفخوا الروح في تنبؤات المفكرين ويطبقوها على الشعوب في الشرق الاوسط التي آن الاوان لدول هذه المنطقة ان تعلي من شأن المفكرين والمثقفين بأنهم اصحاب رؤية ودراية بالصراعات الدولية وهم ايضا قادرون على وضع الحلول للمشاكل والازمات المستعصية.

 

 

 

موقع نبوءات

www.geocities.com/nboaat

1