وسام سعادة

2005/06/06

تروتسكي المعارضة اللبنانية

2005/06/02

اللاهثون الثلاثة والبطل الوحيد
2005/05/23 وعي الصدمة المارونية

2005/05/19

إميل لحود والطائفية

2005/04/21

مؤشر الحسم وأسهمه

2005/04/18

حالة اختناق

2005/04/14

عادة نهب البابوات
2005/04/11 نسبية النسبية: شيخوخة الطائف

2005/04/07

بابا الأممية الخامسة

2005/04/04

إنه البابا الفيلسوف
 

تروتسكي المعارضة اللبنانية

تعاملت مع خبر تفجير سيارة سمير قصير واستشهاده بما يشبه الهذيان والهلوسة في الساعات الأولى. أخذت أقول لنفسي بأني كنت أتوقع الاستهداف وتوقيته، مع أنه والحق يقال، لم أكن أتوقع شيئاً من هذا القبيل. أما القاتل فأنا أعرف اسمه مثل جميع اللبنانيين الآخرين، وشأن جميع الأحرار في الشعوب الشامية الثلاثة التي كان سمير قصير أنبل وصل ديموقراطي لتشابكها وتداخلها، في إطار الاستقلالية الوطنية لكلّ منها.
كدت أشعر في الدقائق الأولى بأني حيال مقتل شخص لا أعرفه، شخص لا أتذكر أني صافحته، أو كلمته، أو هاتفته، أو قرأت له. عجبت لأمري، كيف أتصرف بمنتهى البرودة <<العقلانية>> وأنا أنقل الخبر القاتم للأقربين وأصاب بنشوة شاذة لمّا تعاجلني ردّات فعلهم. كنت أول من صدّق خبر مقتل سمير قصير في الدقائق الأولى، وكنت أعجب لحال الأصدقاء والمعارف الذين كانوا يرفضون تصديق ما أشيعه بينهم من نبأ.
وحتى عندما أممت ساحة الشهداء في المساء، كنت أقرب الى تمثيل مشهد الحزن والأسى. أما الكتابة ذاك اليوم فكانت متعذرة عليّ في موضوع سمير قصير تحديداً. كان يمكنني أن أعدّ دراسة عن الدستور الأوروبي يومها. لكنه كان يستحيل عليّ أن أخطّ فكرة واحدة معبرة عن سمير قصير ومقتله، اللهم إلا فكرة راودتني بأن الكتابة في سمير قصير بعد مقتله ضرب من رياء. لم أتوصل بعد الى التخلص كلياً من هذه الفكرة، لكنني الآن أمارس فعل الكتابة في سمير قصير اضطرارياً، من منطلق أن الكتابة وان تضمنت شيئاً من هذا القبيل، فهي رياء لا مفرّ منه.
كنت مخدراً <<ببنج عمومي>> في اليوم الأول. حسبت أني أقوى من الباقين وأصلب، وأني من نسق خاص، ليس ما يبكيني أو ما يثبط عزيمتي، قادراً على التعامل مع الموت كما لو كان مجرّد ظاهرة معقولة. في اليوم الثاني، تبدّل الأمر كلياً. انقلب <<البنج العمومي>> نقيضه، وأخذت أشعر بالألم مضاعفاً، كما لو كانت كل أعصابي مشرّعة على الهواء الطلق. فسمير قصير هو بادئ ذي بدء أستاذي الجامعي منذ العام 19961995، وأنا اذاً من أقدم طلابه في جامعة القديس يوسف. ولما كانت صداقة حميمة قد جمعتني بأستاذي أسوة بسواي من طلابه القدماء، فكنا نتحبب، بين الفينة والفينة، العودة الى مقاعد السنة الأولى ونحن في السنوات الثانية فالثالثة فالجدارة. أما التوافق الفكري والسياسي مع سمير قصير فكان متفاوتاً يومها. يريد هو أن يدرّس أثر الثورة الفرنسية في المشرق العربي. ونريد نحن أن نتبيّن ونبيّن ثورة اوكتوبر فيه، وكان يستفزنا بالقول <<ان المنشفيك كانوا على حق ولكن>>، قبل أن يعود ويقربنا التقدير الذي كان يكنه لمدبر انتفاضة اوكتوبر ليون تروتسكي، مردفاً <<بأن ثمة اليوم من يحسب أن مواقف تروتسكي تعني التطرف، وهذا ما يخالف الواقع>>. لكننا بطبيعة الحال، كنا وقتها مراهقين فكريين، وكان هو يستفزنا قائلاً بأنه الماركسي الوحيد. مع ذلك، فقد علق بي من يومها أثر سمير قصير في أمور عدّة تخص النظرة الى التطور التاريخي لمنطقتنا، وخصوصاً تلك النظرة التاريخية التي لا تسوّد كل صفحات السلطنة العثمانية على ما تعمل كتب التاريخ المدرسية في لبنان. ان <<عثمانيتي>> في ما بعد هي بعض من إرث سمير قصير.
ابتداء من العام الجامعي 20042003 صرت زميلاً لسمير قصير في التدريس، في جامعة القديس يوسف، وفي المعهد نفسه، معهد العلوم السياسية، وفي النطاق نفسه من المواد، ذلك ان المادتين اللتين أدرّسهما في هذا المعهد سبق أن دشنهما سمير قصير، <<تاريخ الحضارة العربية الاسلامية>> و<<الفكر السياسي العربي الحديث>>. تعود لي الضحكة الآن حين أذكر ما حدث في مطلع هذا العام. فمادة <<تاريخ الحضارة العربية الاسلامية>> تدرّس لطلاب السنة الأولى، وفي السنة الثانية يستقبلهم سمير قصير لتدريسهم <<تاريخ الشرق الأدنى المعاصر>>. كان ينتظر بأن أمد مرحلتي التأريخية حتى القرن السابع عشر أو الثامن عشر بحد أدنى، كي يتمكن هو من متابعة الوصل التأريخي، لكنه تفاجأ بالطلاب يقولون له بأنني توقفت عند نهاية الحضارة العباسية ومع سقوط بغداد. بينت له يومها أنني أنا أيضاً أرفض تحقيب <<حضارة انحطاط نهضة>>، لكن مصطلح <<حضارة عربية إسلامية>> لا يصلح لما بعد القرن الثالث عشر، هذا ان كان هو المصطلح الصالح فعلاً قبل ذلك.
في مطلع العام الجامعي 20052004، تقرّر أن تنقل لي أيضاً مادة <<الفكر السياسي العربي الحديث>> التي سبق أن درّسها الشهيد العزيز. قصدته طالباً النصح والمشورة، وكان على عادته الجامعة بين التلميح والمزاح: <<مارتن بوبر لا يدّرس في الفكر العربي الحديث، وسام سعادة!>>. كان يلفت في ذلك الى ما اعتاده مني من <<عشق للسامية>> منذ سنوات طويلة، كما نبهني الى ضرورة أن لا أسقط من حسابي، عند التدريس، المدارس القومية في الفكر العربي، قائلاً: <<أنا أعرف، بأنك ستفرد الوقت كله للحديث عن الاسلام السياسي، لكن لا بد أن تعطي للمدارس القومية حقّها، سواء القومية الجزئية مثل أحمد لطفي السيد أو أنطون سعادة أو القومية الشاملة مثل ساطع الحصري وميشال عفلق>>.
كانت الصفة الثقافية اليسارية في الجامعة اليسوعية، تحديداً، هي الجامع بيننا. أما خارج أسوار الجامعة، فكان اليسار الذي انتهجته مخالفاً لما اعتمد سمير قصير وما تبناه. هو يشدّد كثيراً على الشرط الديموقراطي لمهام التحرّر الوطني، لكني كنت أعتقد وما زلت، بأنه ينحو لإسقاط المنظار الطبقي من حسابه، بصورة أخذت تزداد مع السنين. لم أكن أفهم مقدار حنينه النوستالجي الى الناصرية، في مقابل الحجم العالي لتأثره بنظرة ميشال سورا الى النظام <<التصحيحي>> في سوريا. أنا ظللت أعتبرها أنظمة من الطينة نفسها، لكن في مراحل مختلفة من انتهاء الصلاحية والفساد.
المهم أنه اندفع بنبل ديموقراطي لا يضاهى الى الجرأة المنهجية في مقارعة نظام المروق والفجور والممانعة، كتابة وتنسيقاً. كان العنصر الأكثر تقدماً في <<انتفاضة الاستقلال>>. وكانت مقالاته تنضح بتفاؤلية نقدية، وتحمل لمسة تروتسكية ما: كان يفكر دائماً بأن الانتفاضة الاستقلالية لن تتطور ديموقراطياً في لبنان ما لم يُدعم الاستقلال في لبنان بالديموقراطية في سوريا. الخيط الهادي لمقالاته الأخيرة هو منطق <<الثورة الدائمة>> التي تبتدئ من 14 آذار وتمتد حتى يتفتح الورد في دمشق، كما كان يردّد.
سأبقى أخالفه لجهة الموقف من التحالف مع قوى رجعية بإزاء قوى رجعية أخرى، كما لو كانت القوى الرجعية التي يستهدفها اضطهاد أو قمع تتحول مباشرة، عن غير وعي، وبأثر من الحركة الميدانية فحسب، الى قوى ديموقراطية. كان 14 آذار حدثاً ذا كمون ديموقراطي، لكنه لم يكن من صنع ديموقراطيين: هذا هو خلافي مع أستاذي سمير قصير.
أما عنصر الالتقاء فهو بالفعل، أهم وأمضى: ان الكمون الديموقراطي ل14 آذار سيتم وأده على محراب الرجعية، ما لم يبزغ فجر الديموقراطية في سوريا.
... بلى، ينبغي <<الاستفادة السياسية>> من مقتل سمير قصير، ابتداء من إسقاط التمديد في لبنان، وانتهاء بإحلال الديموقراطية تعاقداً بين الشعوب الشامية.

اللاهثون الثلاثة والبطل الوحيد

بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتوقف مدافع الحرب الأهلية في لبنان، فشل <<الحزب الشيوعي اللبناني>> في انتزاع مقعد نيابي بالتعيين، مع أن قيادة الحزب ظلّت تتوسل يومها ميشال المرّ وتطالبه بأن يخلي السبيل لها لتمثيل البروليتاريا من خلال المقعد الشاغر في عاليه عند تعيين 41 نائبا عام 1991.
اثر ذلك قرّر الثلاثي جورج حاوي وسعد الله مزرعاني والياس عطا الله فضّ <<الحزب الشيوعي اللبناني>> واللجوء الى لعبة مبتكرة، تشبه نوعاً ما لعبة الغميضة. كل واحد منهم سوف ينتهج مسلكاً مختلفاً عن مسلك الآخر، بغية الوصول الى هدف مشترك: المقعد النيابي. تشارك ثلاثتهم في قناعة بأنه ممنوع طائفياً وإقليمياً ودولياً على الحزب الشيوعي، بما هو كذلك، أن يتمثل في البرلمان، ولا بدّ للشيوعيين بالتالي من أساليب <<للتحايل>> على البرجوازية.
تنبني هذه القناعة على خلط فظ بين الزغل في احتساب الأصوات الذي حجب النيابة عن النقابي البروليتاري مصطفى العريس في الأربعينيات، وبين تباخل المرجعية السورية والزعامة الجنبلاطية بمقعد نيابي تكريمي للحليف الشيوعي. كما تنبني على اندهاش صوفي من كون <<الحزب الشيوعي اللبناني>> ظل طوال تاريخه خارج مجلس النواب، مع أنه من أهم الأحزاب الشيوعية في المنطقة، في حين أن نواباً شيوعيين انتخبوا في أوقات مختلفة في سوريا والأردن والعراق والجزائر، وهي بلدان أكثر تخلّفاً ديموقراطياً من لبنان.
بين المماهاة الفظة والاندهاش الصوفي، قرّر اللاهثون الثلاثة الاسترسال في لعبتهم، وقد وصلت اليوم الى سنتها الخامسة عشرة، دون أن يصل أي منهم الى الفوز المنتظر له شخصياً أو لمن يرعاه: المقعد النيابي. وحده فاروق دحروج (التقاطع المتذبذب بين الثلاثة) كان يحرز نتائج مقبولة، وقريبة جداً من المرشح السلطوي، الى حد الاشتباه في أن ثمة تزويرا حاصلا لإبعاده. وتمكن فاروق دحروج من ذلك من خلال اعتماده الأسلوب التقليدي لفرج الله الحلو، أسلوب <<الأعيان الشيوعيين>>، أي أن يكون محبوباً كعصامي في مجتمعه المحلّي.
أما الثلاثة الآخرين فقد اتفقوا ضمنياً على أن من يوصل خياره قبل سواه الى الندوة البرلمانية تكتب له الغلبة. كيف الوصول؟ يقضي تكتيك سعد الله مزرعاني بتنظيم ممانعة فرعية على شاكلة الممانعة <<الوطنية والاسلامية>> لكن بوجه ديموقراطي واعتراضي رافض للاحتكار الطائفي. ويقضي تكتيك جورج حاوي الوصول <<خلسة>> أو بالتسلّل الى مجلس النواب، على أساس فهم معين لاستقلالية اليسار بما هي القدرة على التنقل هنا وهناك بخفر وبراعة. أما الياس عطا الله فقد أوصل الميل التصفوي، التصالحي مع الألعاب الأولمبية الطائفية، وهو النهج الكامن في تاريخ <<الحزب الشيوعي اللبناني>> منذ أيام فرج الله الحلو نفسه الى مداه: التحالف مع الأوليغارشية المالية و<<الاقطاع الاشتراكي>> (ذكره ماركس في بيانه الشيوعي)، واليمين وأقصى اليمين، باسم مهام <<حركة التحرر الوطني>>. كان اليمين اللبناني ينتظر مطولاً من يكرس نظريته بأنه يحارب <<الاحتلالات الخمسة>>، وجاء الياس عطا الله ليجمع المجد بطرفيه: فهو من ساهم في طرد الاسرائيليين من بيروت والجبل وصيدا وصور، وهو من ساهم في إخراج الجيش السوري من لبنان.
واذا كنا قد أيدنا فعلاً، سحب الجيش السوري بالكامل في لبنان، وعلى طوال بضعة شهور، فلا بد في هذا المجال من ايضاح الاختلاف بين الحد الأدنى من المعيار اليساري وبين معيار <<اليسار السيادي>>. نحن طالبنا بالانسحاب، واعتبرناه في الوقت نفسه هزيمة قومية، ومدعاة أسى. وهم، نافسوا أقصى اليمين في تنصيب الهزيمة القومية ملحمة وطنية.
أمام الياس عطا الله الآن فرصة حقيقية كي ينتصر على منافسيه حاوي ومزرعاني في اللعبة التي دامت خمسة عشر عاماً، وطالت. لكن شتان شتان بين شيوعيين هربوا بين المغاور منشدين ميسلون، وبين ما هو حاصل الآن.
تبعاً لذلك، يدعو كاتب هذه السطور من موقعه كيساري الى مقاطعة الانتخابات النيابية في كل الدوائر، بما في ذلك مقاطعة المرشحين اليساريين، مع استثناء واحد، لا بد من التصويت له بكثافة، و<<مجرم>> (الكلمة متداولة حالياً) من يدّعي اليسارية ولا يصوّت له: لنقاطع كل المرشحين، وننتخب البطل أنور ياسين.

وعي الصدمة المارونية

أجمع البريستوليون على الانسحاب السوري. ابتدعت كل فئة منهم تصوراً لهذا الانسحاب، وأجمعت كل التصورات على وضعه في خانة التسلّم والتسليم شكلاً ومضموناً، كما يحدث عادة بعد انتصار الحركات الاستقلالية والتحررية الوطنية. لكن، وفي ظل غياب منظمة تحرير لبنانية، كان على العميد رستم غزالي أن يسلّم مفاتيح البلاد الى الرئيس إميل لحّود، وكان على الرئيس إميل لحّود أن يرصّع صدر رستم غزالي والضباط الكبار الآخرين بالنياشين. كان ذلك محتماً بما فيه الكفاية، لكنه كان مفاجئاً في آن، لأن البريستوليين رادفوا بين الانسحاب السوري وبين <<التسلّم والتسليم>>. ولم يحدث التسلّم والتسليم لا كما توقعه قادة السنة والدروز (أن يبتدئ العدّ العكسي لرحيل إميل لحود والمجموعات الانكشارية التي يجري رفعها الى مرتبة <<نظام أمني>>)، ولا كما توقعه المسيحيون (أن تتقبل الطوائف الأخرى الوصاية الداخلية المارونية بعد رحيل الوصاية السورية). لم يضعف إميل لحود الى درجة تضطره لتسليم السلطة. ولم يضعف السنة والدروز والشيعة الى درجة تضطرهم الى قبول الوصاية الداخلية المارونية. وبدل انتظارات <<التسلّم والتسليم>>، جاء زمن البلبلة، وبلغ أشدّه مع الجلسة المعيبة لمجلس النواب، ومن أبواب العيب فيها الدعوة الى محاكمة رئيس الجمهورية ليس على أفعاله السيئة و<<الخارقة>> للدستور، وانما على ما هو حق دستوري له، أن يوجه رسالة الى المجلس النواب بصفته الدستورية كحام للدستور وكمرجعية تحكيمية.
لم تع الزعامات الاسلامية واقع الصدمة المارونية مباشرة، صدمة الموارنة لعدم تسلّمهم مقاليد الأمور مباشرة بعد الانسحاب السوري. حاولت بعض هذه الزعامات التلويح مجدداً بفزاعة <<النظام الأمني>> المزعوم، كما عملت على تأكيد وحدة المعارضة بتنسيق يعطي التيارات المسيحية فتات الموائد.
إلا أن الزعامات الاسلامية أجبرت بعد ذلك على وعي الصدمة المارونية، من خلال الانذار الثيوقراطي الماروني الذي عرج على العبارة الأثيرة عند الحركات الجهادية الاسلاموية <<وقد أعذر من أنذر>>، وبعد أن رفض البطريرك صفير والعماد عون تباعاً إطلاق رصاصة الرحمة على إميل لحّود رئيساً، بات الجميع، مسلمين ومسيحيين، تحت رحمة الدهاء السياسي لرئيس الجمهورية.
صدمة الوعي الماروني واحدة: عادت السيادة للبنان، ولم تعد السلطة لنا.
أما وعي الصدمة المارونية في الجانب الاسلامي فهو وعي مزدوج: الموارنة يأخذون <<المناصفة>> على محمل الجد! وإميل لحّود يكشف عن <<دهاء سياسي>>!!
يأخذ الموارنة المناصفة على محمل الجد، واذا كانوا لا يطالبون بأن تنتخب كل طائفة نوابها بمفردها، ويتفقون مع الزعامات الاسلامية على تفسير اتفاق الطائف بأنه يقتضي بأن تنتخب كل طائفة حصة من نوابها وحصة من نواب الطائفة الأخرى (الصيغة الانتخابية للعيش المشترك)، فإنهم مع ذلك يطالبون بحصة مقاربة ما لم تكن موازية، علماً أن تقديم الدائرة المتوسطة على أنها تضرب صحة التمثيل قد لا يكون مبرّراً بالضرورة، وإن كان مجحفاً بحق المسيحيين في الظرف الحالي. ذلك انهم يمكن في ظرف آخر، أن يستفيد المسيحيون من الدائرة المتوسطة أكثر من سواهم. فإذا برزت كتلتان شيعيتان متنافستان في الجنوب أو في البقاع، وسنيتان في بيروت أو في الشمال، أو درزيتان في جبل لبنان الجنوبي، فسيتحول المسيحيون الى قوة مرجحة. قد ينقسمون هم أيضاً بين القوتين المتنافستين، لكنهم سيرجحون حتماً الفئة الأقرب اليهم. ومن شأن هذه الوضعية أن تحوّل المسيحيين ليس فقط الى قوة ترجيحية في الشمال والجنوب والبقاع وبيروت، بل أيضاً الى قوة مبادرة، غير محافظة، تتقاطع مصالحها مع <<القوى الديموقراطية>> المختلطة طائفياً. أما في المحصلة العامة، فسيكون للمسيحيين ما ليس لأي طائفة أخرى في المجلس المنتخب على قاعدة الدائرة المتوسطة إن برزت كتلتان تداوليتان في كل محافظة. ذلك ان المسيحيين سيلعبون دوراً ترجيحياً في الشمال والجنوب والبقاع وبيروت، غير أن المسلمين لن يلعبوا الدور نفسه في جبل لبنان الشمالي. مشكلة المسيحيين ليست إذاً في الدائرة المتوسطة كما يزيّن لهم، وانما في انتفاء التداول على السلطة داخل الطوائف الأخرى. فالثنائية الشيعية لا يمكن أن تحتكم الى قاعدة التداول. والهيمنة الجنبلاطية أبطلت كل ثنائية درزية. أما تيار المستقبل فقد بات يمثل مرجعية سنية، وكل من يتحداه في طائفته سيبرز بمظهر الخروج على الجماعة.
هنا يكمن بيت القصيد. فقط في الوسط المسيحي ثمة قوى متنافسة حقيقية الآن. أما في الأوساط السنية والشيعية والدرزية فنتيجة الانتخابات محسومة سلفاً. هل نحن أمام <<تفاوت في التطور الديموقراطي>> يعيدنا الى مشكلة النوعية والكمية؟ كلا، نحن أمام اجتماع مسيحي يسقط مشكلته على الآخرين: انه لم ينجح بعد في بلورة قيادة له على طريقة الطوائف الأخرى. وهو عالق بين أمرين، لا يمكنه أن يتقبل قيادة موحدة تستلّ من سجل الحرب (كما في الحالتين الدرزية والشيعية)، كما لا يمكنه أن يتقبل قيادة موحدة تنتمي الى سجل السلم (كما في الحال السنية).

إميل لحود والطائفية

يبقى العماد إميل لحّود بمثابة <<اللامفكر فيه>> بامتياز في الحياة السياسية اللبنانية. ويمكن القول اننا نجهل تماماً أي الأشخاص هو إميل لحّود. لقد تربى المعارضون له على أنه فاقد للذكاء السياسي. جاءت السنتان الأوليان من عهده لتثبت ذلك. ترنحت شعارات الاصلاح. إلا أن سنوات التعايش المرّ وغسيل القلوب الذي لم ينجح يوماً، عادت وأبرزت قدرته على إعادة إنتاج حيثيته السياسية. حاصر غريمه من كل جانب بعد أن فشل في ملاحقته. حاصره وأرهقه، وأرهقا البلاد معاً. وفي الوقت نفسه، برزت حيثيته الطائفية أكثر فأكثر، فإميل لحّود المسيحي ليس ابن أيار 2005، بل هو يعود الى أبعد من ذلك بكثير. انه ينتمي الى تلك الفئة من المسيحيين التي تصورت في التسعينيات انه يمكنها أن تحكم كل اللبنانيين إدارياً، في ظل الوصاية السورية، من طريق قمعها لأكثرية الأقلية المسيحية. أقلية الأقلية تنصب نفسها أكثرية الأكثرية. ليس طبعاً من طريق مبايعة أكثرية الأكثرية، ولا من طريق مبايعة أقلية الأقلية، وانما من خلال خوض المعركة الاستنزافية على جانبين: ملاحقة التيار الحريري ثم حصاره، واغتصاب صلاحيات رئاسة الوزراء، وملاحقة التيارات السيادية المسيحية وقمعها، كما حصل في 7 آب أو في انتخابات المتن وإقفال تلفزيون غبريال المرّ. أما في ما عنى أكثرية الطائفة الأكبر، الشيعة، فقد سلكت أقلية الأقلية معها نهج <<دعم المقاومة>>، و<<رفض إرسال الجيش الى الجنوب>>. وكان ذلك شرطاً إضافياً لكي تتمكن أقلية الأقلية من السيطرة على الوضع في نهاية المطاف. ويمكن أن تفهم في هذا الاطار شعارات من قبيل <<مكافحة التوطين>>.
بيد أن أقلية الأقلية التي يمثلها إميل لحود، لم تأت فقط الى الحكم بحكم كونها كذلك، أو بحكم قمعها لجماهير طائفتها، وانما استفادت من التناقض الذي استعر في غير وقت من التسعينيات بين رأسمال كبير أصبح ذا صبغة إسلامية، وبين برجوازية كبيرة ما زالت ذات صبغة مسيحية، أي انها استفادت من مشكلة المسيحيين مع الحريري، ذلك أنه كانت هناك بالفعل مشكلة للمسيحيين مع الحريري، هي مشكلة الفصام بين الرأسمال الكبير والبرجوازية الكبيرة.
عام 1998، استقبل التعديل الدستوري ووصول العماد إميل لحّود الى سدّة الرئاسة بفرحة ما في الأوساط المسيحية. أن تكون هذه الفرحة مسندة مخابراتياً فهذا لا يلغي حيثيتها وانما يساعد على فهمها: انها الفرحة المسيحية من كون الجيش اللبناني ما زال بقيادة مسيحية، وان هذا المنصب الوظيفي الرفيع هو الضمانة الأخيرة للمسيحيين في جهاز الدولة اللبناني.
لم يكن إميل لحود غريباً اذاً عن الحساب الطائفي. إلا انه ينبغي الاعتراف بأنه لم يلعب هذه الورقة على قدر ما لعبها خصمه في انتخابات 2000. والى حد معين، يمكن التسلل الى ذهن رئيس الجمهورية وافتراض التالي: انه كان يمنّي نفسه بإصلاح جذري عام 1998، وبسبب من فشله عام 2000، انتقل من النية الاصلاحية الى الرغبة الانتقامية. الانتقام من أعداء الاصلاح بسبب العجز عن الاصلاح. وكان لا بدّ أن ترسو هذه الرغبة الانتقامية على معادلة طائفية أكثر فأكثر، خاصة أن رئيس الجمهورية كان يواجه ابتداء من عام 2000، باصطفافات متصلة بعضها ببعض عبر حلقات وسيطة، وتمتد من سمير جعجع في سجنه، الى البطريرك صفير، الى وليد جنبلاط، الى رفيق الحريري، وأحياناً تصل الى نبيه برّي.
أما في العام 2005، وفي ما كان يبدو رئيس الجمهورية هو الحلقة الأضعف، التي يختلف في شأن عزلها قبل أو بعد الانتخابات، كنتيجة لما حققه التحالف المحاصر له ولسوريا، فاجأ العماد إميل لحود الجميع بقدرته على المناورة، فالمبادرة.
لماذا؟ لأن قادة الطوائف الأخرى اعتقدوا أن حصة المسيحيين في <<النصر الاستقلالي>> تنحصر فقط في إقالة إميل لحّود.

مؤشر الحسم وأسهمه

هل حسمت المعركة في لبنان أم أنها ما زالت تنتظر الحسم؟
ثمة من يخال أن المعركة لن تجد طريقها الى الحسم. وهذا اعتقاد خاطئ. اذ لا تعالج المغالطة التي مفادها أن البلد منقسم الى كتلتين صافيتين متواجهتين بمغالطة أشد فدحاً، من نوع أن المعركة ستظل ملازمة حدود <<اللا غالب ولا مغلوب>>، وهي حدود قد نسلّم جدلاً في احترامها للواقع اللبناني، غير انه لا يمكن التسليم أبداً بإمكان احترامها دولياً ولا إقليمياً.
لا بد من نتيجة واضحة في خاتمة المطاف. الرابح فلان. الخاسر علتان. لا يمكن أن تظلّ الخسارة مجازية أو معنوية أو ظرفية. فإما سلطة تدور في فلك سوريا، وإما سلطة تدور في فلك الغرب. أما من يرفض هذا المنطق المادي في بسط الأمور فيمكنه تسلية نفسه بالانضمام إما الى <<الحزب الشيوعي اللبناني>> وإما الى <<حركة اليسار الديموقراطي>>، اذ ليس من سلطة بمنأى عن فلك سوريا أو عن فلك أميركا إلا في مخلفات <<العقل السوفياتي>> المارّ ذكرها، وان تكن هذه المخلفات نفسها منقسمة بين من يوالي سوريا دون أن يمتلك الجرأة على المجاهرة، وبين من يوالي أميركا دون أن يشعر بذلك أبداً.
لا مناص من الحسم في نهاية المطاف. واذا كان صحيحاً انه لا عودة الى الوراء، الى ما قبل الجريمة الآثمة التي اقترفت ضد <<العولمة اللبنانية>> في 14 شباط 2005، فإن السؤال الذي تروّجه أعين الناس وتلوكه ألسنتهم منذ ثلاثة أشهر ما زال مبرّراً: هل أصبحت الحوادث المؤسفة وراءنا، أم ان الآتي سيكون أعظم؟ هل تباشر المعارضة اللبنانية في الجني تباعاً، فتكون <<البلبلة>> (المصطلح لبيان مجلس المطارنة الموارنة الأخير) التي شهدتها أزمة ادارة المحصول، وإما انها ما زالت، على كثرة ما حققته، في نهاية حقبة الزرع.
هل نحن في مرحلة انتقالية تتبع أم تمهّد لفوز القوى المعارضة (الموالية للغرب)؟ هذا هو السؤال. أما الجواب فربما نستقيه من تصرفات أمراء الاجهزة الأمنية. فهؤلاء، يثابرون على <<التتنيحة>> (باللهجة العامية)، فيما أعلى الهيئات الدولية، وكل المعارضة، ومعظم الطبقة السياسية، وقسم من الموالاة، تطالب باستقالتهم أو بإقالتهم أو بوضعهم بالتصرف أو هي تتفاوض عليهم. أما هم، فيكتفون بإجازات صيفية اذا تطلّب الأمر، لكنهم قطعاً لن يقبلوا بالتسليم قبل الوقت. ليس لأنهم سيقاتلون الى النهاية، معاذ الله، بل لأن الأمر بوجوب انسحابهم لم يصدر بعد.
لا نريد أبلسة هؤلاء <<المتنّحين>> الرافضين للتنحي، فالجمهورية الثانية لم تكن كلها باطلاً على باطل، والباطل يتركز في مماليك الأجهزة الأمنية، وان كان لا يختزل. ما نريده هو أقل من ذلك بكثير، وأكثر سذاجة بكثير، معرفة ان كان هؤلاء ما زالوا قادرين على إلحاق الأذية بأي أحد، ومعرفة من الذي سيكون قادراً على نحو ملموس، على كفّ أيديهم، وعلى إراحتنا من بعض الاختناق الذي نعانيه.
انسحب الجيش السوري، وانسحبت المخابرات السورية، وتفكك لقاء عين التينة، وتبلبلت المعارضة، وبدأ مطار بيروت يتحضر لاستقبال لجنة التحقيق الدولية، أما هم، فما زالوا <<متنّحين>> حيث هم، ليس كي يموتوا واقفين، وانما كي يُبلغوا الساعة الواجبة للفرار.
تحاول هذه <<التتنيحة>> ان تقول بأن شيئاً لم يحسم بعد. أي أن القرار من وراء الحدود لم يصدر اليها بعد. لكن لنا أن نقدر ان المشهد سينقلب رأساً بعد أيام، وبمجرد انسحاب آخر مظاهر الوجود السوري من لبنان بعد أيام... حينها، وحينها فقط، سيتلقى المملوك الأخير أمر اليوم، بأن غادر موقعك الى جهة مجهولة!
وحينها فقط نقول لأنفسنا: الحمد لله على السلامة!

حالة اختناق

اذا ما كان المرء جاحداً بالوطنية فرع الممانعة، كما بالوطنية فرع السيادة، مُبَدّياً الهمّ الديموقراطي على ما عداه، فإنه حتماً يشعر بالاختناق في هذا البلد، ويرافق ذلك عسرٌ في الكلام، وهو عسرٌ لا تبدّده غير محاولة متعثرة كي يصف نفسه، كتابة.
واذا ما كان المرء مدركاً ضرورة التعايش مع حال الاختناق التي تصيبه، الى حين توفّر الهواء النقي اللازم لانتعاش الرئتين، فله أن يدور على نفسه، طوال الساعة، منتظراً المعونة الخلاصية من أي جهة أتت، شرط أن تأتي في أقرب زمان، غير متحرّج عن سداد الأقساط.
ما هو هذا الشعور بالاختناق؟ ومن يشعر به في لبنان؟ <<الممانعة>> لا تشعر به. ذلك أنها تعتاش في تعريفها من الحصار الذي يفرض عليها. أما <<المقاومة>> فتجتنبه، فهو عندها نقيض للشعور بالعزّة والفخار. كذلك الحال بالنسبة الى <<المعارضة>> التي تتأهب للحظة تشهر فيها <<الأمر لي>> بطريقة لا رجعة فيها، إذ كيف للعوني الآن ان يشعر بالاختناق وهو يحتسب عودة قائده بالساعات، وكيف للقواتي أن يشعر بالاختناق وهو ينتظر العفو عن قائده في غضون أيام، وكيف للتقدّمي الاشتراكي ان يشعر بالاختناق فيما يتأكد له في كل لحظة أنه ليس لوحده في هذا العالم، وأنه بلغ مرحلة ما بعد الصمود؟ كيف للنائب في لقاء قرنة شهوان أو في قرار بيروت ان يشعر بالاختناق وهو العائد بإسناد شعبي منقطع النظير بعد أسابيع؟ أما <<اليسار الديموقراطي>> الذي عاب أقطابه على المعارضة عدم تثوير عامية 14 آذار وتحويلها الى كومونة شاملة، فإنهم يصرحون، أحياناً، عن خيبة معينة، وعن انفكاك سحر أو انحسار إبهار، بمعنى d?senchantement، لكنهم حتماً لا يشعرون بالاختناق.
أمراء الأجهزة الأمنية؟ هؤلاء يمكن أن يشعروا بالاختناق، الا ان هذا الشعور لن يكون سابقاً كثيراً على اختناقهم بالفعل، وبالتالي لن يقدّر لهم عيش مرحلة وجودية كاملة من الاختناق.
وماذا عن الدائرة الاذاعية في لقاء عين التينة فرع الأكثر وفاء، هم أيضاً لا يشعرون بالاختناق، والدليل أن من بينهم من يقترح إعادة خلط الأوراق من جديد بأن تجعل المعركة الآتية مثلاً بين الاصلاحيين، معارضين كانوا أم موالين، وبين التقليديين، معارضين كانوا أم موالين.
يبدو المشهد اللبناني إذاً كما لو أن أحداً من أطرافه أو لاعبيه، أساسيين كانوا أم هامشيين، لا يشعرون بالاختناق. كيف لنا ان نشعر بالاختناق إذاً فيما كل المفردات المستخدمة في الموالاة وفي مواكبة الموالاة وفي المعارضة وممالأة المعارضة هي مفردات مناقضة تماماً لكل ما يفيد حال الاختناق، لأنها تنشد إما البطولة والعزّة والمجد والكرامة وإما القيامة وطائر الفينيق والى ما هناك.
مع ذلك، قد يجد السؤال مسوّغاً له: ألست تشعر بالاختناق في أعقاب نظرة إجمالية في هذا المشهد؟ ألست تشعر بالاختناق من شعب يردّد بأكمله، وعلى مدار الساعة، وكل من موقعه، بأنه لن يُؤخذ بالفتنة، لن يؤخذ بالفتنة، في حين لا تجد مقاومة الفتنة من طريق لها غير تلك التي تمتنع عن أي حديث نقدي جدي في الاقتصاد اللبناني بعد 14 شباط، وأي حديث نقدي جدي في الثقافة اللبنانية بعد 14 آذار، وأي حديث نقدي جدي في السياسة اللبنانية بعد 14 أيار.
هو الاختناق لا شيء سواه، حالة يعيشها كل من يصارح نفسه بأن البلاد ليست بحاجة الى انتخابات تشريعية اعتيادية، وهي تبقى اعتيادية حتى لو وصلت أكثرية ساحقة معارضة، وإنما هي بحاجة إلى انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستوراً جديداً، على اعتبار ان اتفاق الطائف قد سقط.
أما ان تكون كل الأطراف متفقة على مرجعية اتفاق الطائف، بمن فيهم العماد ميشال عون، فذاك هو الاختناق الذي ما بعده اختناق.

عادة نهب البابوات

شكّل احتضار البابا يوحنا بولس الثاني ثم وفاته ثم تسجيته وتدفق الملايين لإلقاء نظرة الوداع ثم دفنه حدثاً ميديائياً بامتياز، وشاهداً إضافياً على زمن تتمازج فيه الرؤيوية مع الرقمية.
أسبوع كامل ووسائل الاعلام تسلّط الضوء على كل حيثية وكل تفصيل في طقوس وداع البابا، من اجتماع ملأ الكرادلة والتحقق من الوفاة وصولاً حتى ساعة المثوى الأخير. بيد ان ما فات التغطية الاعلامية هو التذكير بأن طقسية دفن بابوات روما كانت تختلط فيها على مرّ التاريخ عناصر متنافرة، التبجيل والتمجيد من ناحية، والتنصل من جسد البابا الميت وقد أضحى نقيضاً لجسد المسيح الحي من ناحية أخرى.
بيد انه لو عدنا الى دراسات بارافيتشيني باغلياني، المؤرخ المختص بالعصر الوسيط، وخصوصاً مؤلفه <<جسد البابا>> (منشورات سوي الفرنسية، 1997) لبان العجب. ذلك ان روما من مطلع العصر الوسيط حتى نهاية القرن الثامن عشر ظلت تتعامل مع موت البابا كلحظة رعب، وما ان يجري التأكد من وفاة صاحب القداسة بمطرقة فضية صغيرة تضرب جمجمته ثلاثاً حتى تستسلم الحاضرة البابوية لطقوس آية في الغرابة: اذ يباشر المقرّبون والأهالي عملية نهب مسكن البابا الميت ومقرّه.
ما مرد ذلك؟ قد يبدو الأمر في بعد من أبعاده من قبيل الرغبة في <<المناولة>> والتعبير عن يأس المقرّبين والأهالي لأنهم أضاعوا سيدهم، ويمكن إدراج سرقة وشاح البابا أو صولجانه تحت هذا الاطار. بيد أن طقوس النهب كانت تتعدى ذلك الى سرقة النبيذ والماء المعطر بالأعشاب الذي كان يستقدم عند احتضار البابا لغسل الجثة بعد الوفاة. وكما يؤكد المؤرخ باغلياني مراراً، فإن كل مدينة روما كانت تشارك في طقوس النهب، خصوصاً في الفترة التي كان البابوات يقيمون فيها في قصر لاتران، حيث كانت تخلع الأبواب والنوافذ وتسرق الأواني المقدسة والمجوهرات والحلي، ولم ينج من هذه العادة <<الآثمة>> كما وصفها مجمع روميّ عام 904 إلا بضعة بابوات تحلّوا بالسمعة الطيبة. أما الآخرون فقد كانوا يبذلون قصارى جهدهم بالحيلة حيناً، وبالقوة حيناً آخر، من أجل تجنيب جثثهم بئس المصير وإهانات ما بعد الموت وقبل الدفن (علماً ان باغلياني يعلّل تلك المسافة الزمنية بين موت بابا ودفنه بالفترة السانحة للاتيان على ثروات ومقرّات الميت وعائلته).
ومما يذكره باغلياني، عن مؤرخ انكليزي من بداية القرن الثالث عشر يدعى ماثيوس باريس، ان البابا هونوريوس الثالث (12271216) خرج الى النافذة قبل بضعة أيام من وفاته وهو نصف ميت ليتوسل الشعب عدم التعرّض لذكراه أو لثروة عائلته.
يختلف الأمر مع انتقال البابوية من روما الى افينيون الفرنسية، والانشقاق داخل الكنيسة الغربية الذي دام حتى 1417، ففي افينيون تبلورت فكرة جوهرية مفادها ان ممتلكات البابوات تعود الى المؤسسة الكنسية، كما تزايدت الوظائف التي لا تلغى بمجرد وفاة البابا. إلا ان <<العادة الآثمة>> ستجتاح روما من جديد مع عودة البابوية الموحدة اليها، ولن يقتصر الأمر على نهب قصور وممتلكات البابا وعائلته، بل تعدت ذلك الى مهاجمة وتحطيم التماثيل، كما حدث لتمثال البابا بولس الرابع الذي جرجر في أزقة روما عام 1559. وغالباً ما كانت جثث البابوات نفسها ترمى على قارعة الطريق والعورات مكشوفة، وكانت المهانة من نصيب هذه الجثث... والتمثيل أحياناً، وكل ذلك كان يبرّر بأن البابا عند موته لا يعود مثل جسد المسيح وانما يتحول نقيضاً له.
خوفاً من هكذا عقاب، طالب أحد البابوات في عصر النهضة بأن يجازى مسبقاً على صنيعه.
أما في عصر الحداثة، فإن عناصر التمجيد ستكون غالبة، وسترتقي الى مستوى الحدث الميديائي مع وفاة البابا الأخير. غير ان نوعاً من <<طقوس النهب>> ما بعد الحديثة صرح عن نفسه هذه المرة، وخصوصاً جمعيات تحصيل حقوق مرضى الايدز، ومن بينهم من حمل البابا الراحل المسؤولية عن موت ملايين البشر تبعاً لمواقفه الدوغمائية ضد استخدام الواقي الذكري وموانع الحمل، بل ان احدى الجمعيات مثل <> أكدت في بيان لها انه سيأتي يوم تندم فيه الكنيسة على هذه المواقف، <<أما ان يكون هذا اليوم قريباً فليس ذلك إلا نداء يائساً نتوجه به الى خليفته>>.

نسبية النسبية: شيخوخة الطائف

ثمة واقعة أساسية يعبّر عنها كل طرف سياسي في لبنان، كل واحد على طريقته، ويرفض أي طرف سياسي الإقرار بها في الوقت نفسه، أيضاً كل واحد على طريقته.
ثمة واقعة تتمثل في كل خطاب، يُقصيها أو ينبذها، وهي أن اتفاق الطائف قد أدّى قسطه إلى العلا، وأنه في أحسن الحالات قد أنهى فترة خدمته، بصرف النظر عما له وعليه، وبصرف النظر عن التداخل في العمق بين تطبيقه وسوء تطبيقه.
ثمة واقعة نرفض جميعاً الاعتراف بها، وهي ان اتفاق الطائف وإنْ كان صالحاً للاستظلال به كنوع آخر من المطالبة بتنفيذ بنود من القرار 1559 أو كنوع آخر من تنفيذ هذه البنود، إلا أنه لم يعد صالحاً كمرجعية دستورية في الشأن الداخلي.
ربّ قائل، إن الاتفاق لم يطبق لا نصاً ولا روحاً. وإن تاريخ وثيقة الوفاق الوطني بعد الحرب كناية عن تواريخ الانقلاب عليها، والانقلاب على الانقلاب الى ما لا نهاية، والابتعاد عن نصها وروحها أكثر فأكثر بعد كل انقلاب. يمكن تعيين الانقلاب على الطائف في انتفاضة 6 أيار 1992 أو في انتخابات السنة نفسها وحمل المسيحيين على الإحباط والمقاطعة أو في قيام الترويكا الرئاسية أو في اصطدام <<جزين أولاً>> بالحائط الإقليمي عام 1993 والالتزام بتلازم المسارين بعد ذلك، أو بحل القوات اللبنانية وسجن قائدها عام 1994، أو بتعديل المادة 49 والتمديد للرئيس الهراوي عام 1995، ناهيك عن الانقلاب الأكثر بونابرتية والأكثر ادعاء للطهرانية مع <<خطاب القسم>> اللحودي لعام 1998، والمحن التي جرّتها هذه الطهرانية بعد ذلك، وعلى غير صعيد.
أرست الانقلابات المتكررة على الطائف قبل 1998 صيغة يكون فيها رئيس الجمهورية على هامش <<المؤسسات>>. وأرست انقلابات ما بعد 1998 صيغة تبدو فيها المؤسسات على هامش رئيس الجمهورية. يتصوّر الناصحون بعد ذلك، ان الأمور سترجع بعد محنة التمديد وانتفاضة الاستقلال والجلاء السوري ثم جلاء الحقيقة الى حيث الطائف الأصلي والأول والمثالي، ذاك الذي يعطي كل ذي حق حقه، والذي يضبط عمل المؤسسات، ويُنصف الجميع. كيف لا، والجميع متفق على التعديلات التي أدخلها الطائف على نص الدستور.
تبرز هنا الحاجة الى مقاربة <<شكلانية>> لمسألة شيخوخة الطائف لا سيما في مضامينه الداخلية. فهذا الاتفاق، وبدلاً من أن يؤسس للتسوية الداخلية بنصوص واضحة، اعتمد التسوية في النصوص بأن جعلها مبهمة، مضطربة، حمّالة أوجه، ديالكتيكية بامتياز، وغير مكتوبة بلغة القانون الدستوري، ببعديه التأسيسي والتعاقدي. ان الطائف يقول الشيء ونقيضه. خذ مثلاً السلطة الاجرائية. هو ينيطها بمجلس الوزراء مجتمعاً. وهذا أشبه بتحصيل الحاصل إذ لم يجر التحديد بدقة، من يرأس السلطة الإجرائية، ويمكن ان تكون رئاستها معتدلة الصلاحيات، لكن لا يمكن أن تكون قيادة جماعية ولا ثنائية.
أما ما نصّ عنه اتفاق الطائف، بشأن قانون الانتخاب، فلا يقول فقط الشيء ونقيضه، وانما يمكن القول ان القوانين الانتخابية في الجمهورية الثانية كانت تأويلات مشروعة بحسب هذا الاتفاق، لأنها كلها ترى الى <<المحافظة>> بوصفها الدائرة الانتخابية المثلى، وترى الى الاستثناءات التي تجريها (كوكتيلات محافظة وقضاء) على أنها <<من قبيل>> أو <<على سبيل>> اعادة النظر بالتقسيم الاداري.
لعلّ المؤشر الهام على موت اتفاق الطائف نهائياً هذا العام، قبل اغتيال الحريري وبعده، هو ان مشروعي قانون الانتخاب، حاولا تجاوز محنة التوفيق بين المحافظة كدائرة فضلى وبين إعادة النظر بالتقسيم الاداري. المحاولة الأولى تمثلت بالعودة الى القضاء. المحاولة الثانية تتمثل في الاستعاضة عن همّ <<إعادة النظر بالتقسيم الإداري>> بهمّ إعادة النظر في طرق احتساب الأصوات، باعتماد النسبية، والنسبية لا تكمن مشكلتها في أنها تحتاج الى ثقافة أو إلى أحزاب أو في أنها مجرد تسويف، بل في أنها في حال اعتمدت لن تكون نسبية حقاً بالنسبة الى جميع المقاعد والمناطق، فبالله عليكم هل ستختلف النتائج الانتخابية بين النظامين الأكثري والنسبي في احتساب الأصوات بالنسبة الى المقعد الماروني في طرابلس أو الشيعي في جبيل أو الأرمني في المتن؟ إنها نسبية النسبية شاهدة على أن الطائف قد انتهى وليس من بديل.

بابا الأممية الخامسة

بذل كارول فويتيلا الذي صار اسمه يوحنا بولس الثاني عام 1978، الكثير من الجهد من أجل تحقيق ثورة شعوب شرق أوروبا عام 1989، إلا أنه مثل لينين وتروتسكي عام 1917، بقي مندهشاً أمام الثورة التي شارك في صنعها وإنجاحها. كيف لا وقد انتهت بنتيجتها قسمة العالم الى كتلتين لدودتين قادرتين على تدمير بعضهما البعض وتعجيل فناء العالم؟
تشي الرسالة العامة للبابا الراحل <<مئة عام>> (Centesimus Annus) بفعل الاندهاش هذا. وهي الرسالة الصادرة عن قداسته بمناسبة مرور مئة عام على الرسالة العامة للبابا ليون الثالث عشر في 15 ايار 1891 بخصوص المسألة العمالية (Rerum Novarum).
ما يهم التوقف عنده هو تعليق انطونيو نيغري، فيلسوف أقصى اليسار الأوروبي، والذي ارتبط اسمه بالألوية الحمراء الايطالية، على الرسالة، في خريف 1991، فكتب عن <<الأممية الخامسة ليوحنا بولس الثاني>> معتبراً اننا أمام وثيقة سياسية بالمعنى الصرف للكلمة، أي أننا أمام مانيفستو برنامجي.
يلخّص نيغري السؤال المفتاحي لهذه الرسالة: ما ينبغي أن تفعله الكنيسة والكثلكة في عالم صار <<واحداً>> وما عاد فيه من معسكر للكفرة؟ أو بالأحرى من هم <<الكفرة>> الجدد، وما على المسيحية ان تفعله بعد ان انتفت ضرورة الدفاع عن العالم الغربي والحرية الدينية مع تهاوي الخصم الشيوعي؟
جواب يوحنا بولس الثاني: على الكنيسة أن تنتشل الراية التي تركتها الحركة العمالية تمرّغ في الوحل. لا بدّ من تحالف بين الكنيسة والطبقة العاملة على أساس التلاقي المباشر، وهذا ما يعيد للكنيسة جزءاً من دور لعبته في القرون الوسطى، حيث كانت تقف بوجه الامبراطورية المقدسة والملوك، وتمثل وحدها الفقراء.
بخلاف المتباكين على الاتحاد السوفياتي الذين أسقطوا العامل الطبقي من حسابهم عند تعليل ما حدث، يدرك يوحنا بولس الثاني أن العامل الحاسم الذي أطاح المنظومة <<الاشتراكية الواقعة>>، كان مردّه اغتصاب حقوق الشغيلة في ظل هذه المنظومة. كان النضال العمالي عاملاً حاسماً في التخلص من النظم البيروقراطية. وكما تثبت الحال البولونية، فقد عرفت الكنيسة كيف تفهم وتمثل الأشكال التلقائية للوعي العمالي وتجتذبها نحو التجدد الديموقراطي.
وبما أن الحديث جار عن تلاقٍ مباشر بين الكنيسة والطبقة العاملة فلن تعود من حاجة للتحالفات الطليعوية والشعبوية الملتبسة بين المسيحية والماركسية تحت يافطة <<لاهوت التحرير>> مثلاً. بخلاف المحاولات المتعثرة للاهوت التحرير، فقد حصل التلاقي المباشر بين الكنيسة والطبقة العاملة ميدانياً، بين القواعد في شرق اوروبا، وكان هذا التلاقي ذا أهمية عالمية. وبخلاف <<لاهوت التحرير>> الذي يفلس حكماً حين تفلس الماركسية، فإن النضال العمالي المتلاقي مباشرة مع الكنيسة، يبقى حكماً بصرف النظر عن افلاس الماركسية، لأنه مرهون بالتناقض مع الاستلاب والاستغلال. وفي هذا الإطار يقدر انطونيو نيغري فهم البابا الراحل، باكراً، للأشكال الاجتماعية الجديدة الذي اتخذها العمل، بحيث لم تعد القاعدة الإنتاجية مقتصرة على الطبيعة والرأسمال، بل تقوم على الكائن البشري نفسه، وقدراته في التنسيق الشبكي. يتساءل نيغري في هذا الصدد ان لم يكن يوحنا بولس الثاني قد استلهم من مخطوطات ماركس في <<الغروندريسيه>>.
كتب انطونيو نيغري نصه <<الأممية الخامسة ليوحنا بولس الثاني>> عام 1991، وما زالت الأسئلة التي اختتم بها هذا النص كلية الراهنية: كيف نفسر ان البابا وحده هو من سارع الى انتشال الراية التي مرغتها هزيمة الحركة العمالية في الوحل؟ وكيف نفسر ان البابا وحده يفهم الطبيعة الفكرية والتعاونية للقوة الجديدة للعمل المنتج خيراً من أي نقابي؟ وكيف نفسر أن البابا وحده يدعو إلى التناظم الاجتماعي ضد الاستغلال والاستلاب في مقابل تراخي العلمانويين من الاشتراكيين الديموقراطيين؟ هل وصلنا إلى زمن ينطق به الساحر بالحقائق أكثر مما يتفوّه به مدّعو العلمية والعلموية والعلمانية؟
ومع تسجيلنا بأن السنوات المنقضية لم تكن جد واعدة لجهة التلاقي المباشر بين الكنيسة والطبقة العاملة، وأن كان ما يقوم به الفاتيكان أجدى نفعاً مما تقوم به جماعات بورتو اليغري التي تنعى وجود الطبقة العاملة من أصل، فلنا ان نسترجع حكمة انطونيو نيغري بصدد البابا الذي رحل: <<ان كانت هذه هي مأساة زماننا، فلنسلّم أمرنا للساحر الكبير>>.

إنه البابا الفيلسوف

مثلما كان البولوني كارول فويتيلا، الذي صار اسمه يوحنا بولس الثاني عام 1978، أول بابا غير إيطالي منذ 1523، فقد كان أيضاً أول بابا فيلسوف وفينومينولوجي في تاريخ الكنيسة، وقد ترك وراءه جملة من الأعمال الفلسفية، من أطروحة الدكتوراه حول <<النسق الفلسفي لماكس تشيلر وقابلية الافادة منه لبلورة اتيقا مسيحية>> عام 1959، وصولاً الى رسالته البابوية في العقل والايمان قبل رحيله، مروراً بكل الكتابات التي حاول فيها تأسيس لاهوت للجسد.
تتعذر المقاربة الجادة لفكر ومسيرة يوحنا بولس الثاني دون الرجوع الى هذه الأعمال الفلسفية، وقراءتها بجهد نقدي، وإلا سيقتصر التبجيل على العموميات، أو سينحدر الاعتراض الى مستوى التحامل. فقبل الحكم على البابا في هذه أو تلك من الأمور السياسية أو الثقافية، ومن أجل إدراك حقيقة المنعطف الذي مثله في تاريخ الكنيسة والعالم، لا بد من الاحاطة بالاشكاليات الرئيسة في المشروع الفلسفي لكارول فويتيلا، الذي حاول تجديد اللاهوت الأخلاقي للمسيحية ابتداء من قراءة ماكس تشيلر، اليهودي الألماني الذي اعتنق الكثلكة، على نحو ما فعل توما الأكويني حين حاول تأسيس هذا اللاهوت الأخلاقي ابتداء من قراءة أرسطو طاليس. انه أيضاً كارول فويتيلا الذي نهل من الثروة الفلسفية الفينومينولوجية التي مثلتها اديت شتاين، تلك اليهودية المتنصرة هي الأخرى، والمترهبنة التي <<حملت صليب شعبها حتى المحرقة>>، واستشهدت في غرف الغاز بأوشفيتز عام 1942، والتي كانت بدورها تلميذة <<لفيلسوف زماننا>> ادموند هوسرل، اليهودي المتنصر هو الآخر، كما كانت زميلة لمارتن هايديغر، ولو كانت بعد ذلك من ضحايا النازية وكان هو من محازبي النازية زمناً.
اذا فهم من ماركس أن الفلاسفة لم يفعلوا سوى تأويل العالم بطرق مختلفة فيما المطلوب تغييره، فإن الفينومينولوجيا أو الظهورية كما أرساها هوسرل وتشيلر وشتاين، بكل ما تفيده من تعليق أحكام الموجودية وتعليق التحليل من أجل إعادة الاعتبار الى الوصف، ووصف كيفية التمظهر كسبيل للعودة الى الأشياء نفسها، هذه الفينومينولوجيا لم تتوقف يوماً عن تغيير العالم مع وصول فويتيلا الى سدّة البابوية.
واذا كان القاسم المشترك لهوسرل وتشيلر وشتاين أصلهم اليهودي، ومن ثم تنصرهم، وكان تميز اديت شتاين بينهم في ان تنصرها وصل الى حدود الرهبنة الكرملية في حين ان أصلها اليهودي استمر معها حتى قاسمت مصير شعبها في المحرقة، فلعل ذلك هو المدخل لفهم يوحنا بولس الثاني عندما يؤكد <<ان الدين اليهودي لا يقصينا، بل على العكس، انه بمعنى من المعاني، جزء من ديننا>>، ولفهم العلاقة التي يرسيها بين الابراهيميات الثلاث، جاعلاً من كل ديانة ابراهيمية الوسيط بين الاثنتين الاخريين، في علاقة متبادلة، متناقلة، معقدة، تتأسس على قيمة الاختلاف.
تتلمذ فويتيلا على نصوص <<اليهود المتنصرة>> ادموند هوسرل، وماكس تشيلر، وخصوصاً اديت شتاين، التي استقبلتها الكنيسة بين قديسيها، ووصف يوحنا بولس الثاني حياتها بأنها تتضمن الخلاصة الدرامية لقرن بأسره (أيار 1985). ويمكن بالرجوع الى هذه العلاقة بين يوحنا بولس الثاني ونصوص هؤلاء التوغل الى دلالة قوله <<بأنه في أصل هذا الشعب ثمة واقعة الاختيار الالهي. ان وجود هذا الشعب ليس بحدث بسيط في الطبيعة والثقافة، بل هو حدث فوق طبيعي>>، (31 تشرين الأول 1997). يمكن لأي كان الاتفاق أو الاختلاف مع هذه النظرة، وانما يستحيل التعامي عنها، كما يستحيل فهمها دون مسندها الفينومينولوجي وثالوث هوسرل وتشيلر وشتاين.
يضاف الى ذلك الاهتمام الخاص والدائم الذي أولاه فويتيلا للفيلسوف اليهودي، الفرنسي من أصل ليتواني، ايمانويل لفيناس، الذي تميز بمحاولته الدؤوبة لدرء شبهة التنصر عن مشروعه الفلسفي، فعمل على تأصيله تلمودياً، تجذيراً لفلسفة اللاتناهي في مواجهة فلسفة الكلية، والذي عنده أن الآخر هو <<غير غير>>، أي ان الآخر ليس أنا آخر، والعلاقة بالآخر لا تختزل في المعرفة، لأن <<الوجه>> و<<النظرة>> ميزتا الانسان عن سائر المخلوقات. وهذا ما يخرجه يوحنا بولس الثاني بدوره، حين يقول ان الانسان في الكتاب المقدس لا يمكن أن يفهم نفسه إلا ككائن في خضم <<علاقة>> مع نفسه، مع شعبه المختار، مع العالم، ومع الله.
شيئاً من خشوع يا سادة، ان بابا الفينومينولوجيا قد مات، انه البابا الفيلسوف.

لعالم أكثر إنسانية

من الصحف

1