هل يكون اللاعنف خياراً رديفاً؟

د. كريم أبو حلاوة

No.176 (10/11/04)

 

يبدو منطقياً ومفهوماً في عالمنا العربي الذي يعاني شتى صنوف القهر والاحتلال والتهميش والخوف على الذات الحضارية المهددة، أن لا تجد الدعوات التي تحتفي بثقافة التسامح واللاعنف أية آذان أو عقول تستسيغها أو تدرك أهميتها. فالقهر من أي نوع، ومهما كان مصدره، سرعان ما يولد رد فعل من نوعه وطبيعته، بمعزل عمّا إذا كان العنف المضاد، أي رد الفعل الذي جاء نتيجة للعنف الأصلي، يخدم على المدى الطويل مصالح وأهداف أولئك الذين يشعرون بالظلم أو يساهم في انتصار قضاياتهم العادلة.

فالخطورة التي ينطوي عليها القبول بالعنف حكماً وبالقوة معياراً تتعدى إخفاء التساوي المجحف بين الظالم والمظلوم، وبين المحتل والمدافع عن أرضه، إلى قبول الأمور كما هي، واعتبار أشكال الخلل والتمييز والتفاوت المنتشرة بكثرة في عالم اليوم جزءاًَ من طبيعة الأشياء بغض النظر عن لا عقلانيتها أو تحيزها أو ممالأتها للقوي والمتجبر على حساب حقوق وكرامة الضحايا، كما يحدث في أماكن عدة من العالم وعلى مرأى ومسمع الجميع.

ومع أن القول بثقافة اللاعنف في ظروف عالم اليوم المترعة بكل أنواع الهمجية يبدو، لأول وهلة على الأقل، ترفاً فكرياً لا تحتمله حساسية المضطهدين وهم غالبية في عالمنا إذا وسعنا مفهوم الاضطهاد ليشمل الاحتلال والاستيطان وضروب الإكراه الاقتصادي والقهر السياسي والاستعباد وتعنيف النساء والأطفال لفظياً وجسدياً، إلى جانب أولئك الذين يشعرون بالضياع وفقدان الأمل، فإننا نكون أمام ملايين تشكل أكثر من نصف سكان المعمورة ومن كل الجنسيات والأعراق والأديان والأمم.

هؤلاء، على ما بينهم من اختلافات، يجدون أنفسهم مدفوعين لممارسة العنف لإثبات وجودهم أو استرداد حقهم أو أرضهم أو حريتهم، وهم بهذا المعنى يمتلكون كل الحق في اختيار الأساليب والسبل التي يجدونها مناسبة لتحقيق تلك الغايات.

المشكلة أن المعتدي أو المحتل أو المهيمن هو الطرف الذي يملك إمكانات أكبر وخصوصاً بالمعنى العسكري، وإلا فما استطاع أن يستولي على أرض الآخرين أو خيراتهم، ولا أن يكبّل إرادتهم ويرسم مصيرهم ولو إلى حين. والقبول بالاحتكام إلى لغة القوة سيدفع بهؤلاء إلى اختيار الأساليب والأدوات نفسها، فنكون أمام حلبة تتنافس فيها الأطراف المتصارعة على الرهان الأخير، أي قتل الآخر أو طرده أو اعتباره كائناً من الدرجة الثانية تمهيداً للتخص منه دون عقابيل أو تبعات أخلاقية. ولعل خير مثال معاصر على ذلك تجسده بوضوح الأصوليات المتصارعة في عالمنا، فالعقائد الأصولية، سواء كانت مسيحية أو إسلامية أو يهودية أو حتى قومية وشوفينية متعصبة، تستدعي بعضها من خلال تعبئة كل طرف لأتباعه وشحنهم بالأفكار والقيم والتصورات التي تقوي الجماعة وتزيد تلاحمها وقوتها.. وهذا ما يحدث بين أصولية المحافظين الجدد والأصولية اليهودية من طرف وبين أصولية أسامة بن لادن والزرقاوي وأمثالهم من ناحية ثانية، وهو نفس التوجه الذي يغذي نزعات اليمين القومي المتطرف في أوربا المعادي للمهاجرين والملونين، بل أستطيع الحديث عن علمانية متطرفة كما حدث في فرنسا بالنسبة لقضية الحجاب والرموز الدينية.

إن القاسم المشترك بين كل هذه الأصوليات اليمينية واليسارية والدينية هو اعتبار الآخر عدواً وغريباً في خطوة أولى، ومن ثم تحميله المسؤولية عن كل الشرور والأضرار التي تصيب الجماعة، واعتباره ممثلاً للشيطان في خطوة ثانية لتبرير التخلص منه لاحقاً. فأنا لا أفهم مثلاً كيف يخدم خطف الصحافيين وقطع رؤوس الأجانب وإجبار المنظمات الدولية والإنسانية العاملة في العراق على الرحيل المقاومةَ العراقيةَ للاحتلال. بل أستطيع القول إن من يقوم بهذه الممارسات الهمجية مَثَلُه كمثل الذي يرتكب المجازر ضد المدنيين العراقيين، لا يخدم إلا المحتل الذي حوّل العراق إلى ساحة خراب وموت، وليست ممارساته ضد المدنيين والنساء والعلماء والسجناء إلا الوجه الآخر لقطع الرؤوس وخطف الإعلاميين، والهدف واحد: الإساءة إلى مقاومة العرب والمسلمين وتبرير احتلالهم بدعوى أنهم إرهابيون: هكذا تنتج الإصوليات المتعارضة ممارسات من طبيعة واحدة وإن اختلفت الصيغ والأشكال. فكما ينكر المتعصب على الآخر المختلف حقه في التعبير أو الوجود يجبره بذات الحين على خلق متعصب مثله يبادله الموقف والشعور، بهذا تدخل دورة العنف حلقة مفرغة من العنف والعنف المضاد تجعل الحياة جحيماً، فيتم البحث عن بدائل في حيوات أخرى في غير هذا العالم.

هكذا تُحوِّل الأصوليات المتناحرة العالم إلى غاب فسيح، لكن ذئابه مدججون بأنياب نووية وبأحدث صنوف الأسلحة بدلاً من أنياب الذئاب العادية، وسواء أكانت الأداة المستخدمة في القتل بلطة أو سكيناً أو عبوة ناسفة أو طائرة f16 أو صاروخاً عابراً للقارات، فإن النتيجة واحدة هي القتل، والفارق فقط في عدد الضحايا.

لنشخص الحالة أكثر، فالمجتمع الإسرائيلي قام على ثقافة العنف منذ بداية القرن الماضي، ومنذ عام 1948 تقوم المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بممارسة عنف دموي متواصل يلطخ وجه الإنسانية المتحضرة بالعار، وقد ساعدها على ذلك العزلة في الغيتو والتعصب والكثير من الأوهام التوراتية، حتى أصبحت ممارستها العدوانية ثقافة وسلوكاً لطيلة تمرسها في القتل طبيعة ثانية لا تقل تأصيلاً وجذرية عن الطبيعة الأولى. وكما يحول الجلاد الضحية إلى كائن مسلوب الحقوق والأهلية الإنسانية أصبح الإنسان الفلسطيني والعربي، من وجهة نظر عتاة الصهيونية مجرد كائن "ذي رجلين" كما قال مناجيم بيغن أثناء الحصار الإسرائيلي لبيروت، أو مجرد حيّات وعقارب كما وصفهم الكاهانا دون وخزة ضمير.

أمام هذا الكيان العنصري المتعصب لم يجد الشعب الفلسطيني أمامه إلا خيار المقاومة والتضحية. لا أعتقد أن أحداً من أحرار العالم وشرفائه ينكر عليه هذا الخيار. لكن ذلك لا يمنع من وجهة نظري ضرورة إعادة النظر في أساليب ووسائل هذه المقاومة بحيث تتماشى مع الهدف الأساسي وهو تحرير الأرض ونيل الحرية والاستقلال، بهذا المعنى أعتقد أنه من المفيد ولضروراتٍ تتصل بالرأي العالمي، وخصوصاً المتعاطف منه مع القضية الفلسطينية والذي وقف دائماً مواقف عاد لة ومشرفة إزاء الصراع العربي الصهيوني، أن يتم تبني استراتيجية للمقاومة اللاعنفية إلى جانب أساليب للمقاومة الموجودة حالياً. وقد بدأ الفلسطينيون يدركون أهمية هذا الخيار ويمارسونه. فإضراب الأسرى والمعتقلين في السجون الإسرائيلية الذي استمر تسعة عشر يوماً، سلّط مزيداً من الضوء على حجم المعاناة الإنسانية لآلاف الأسرى وسجناء الحرية، وأحرج إسرائيل وزاد في قتامة صورتها السيئة أصلاً. وجعل الفلسطينيين أكثر قدرة على مقاومة من يسلبهم حقهم بشتى السبل، إلى أن يكشف الإسرائيليون أن الجمع بين الأمن ودوام الاحتلال كذبة كبيرة ووهم لا يستحق العناء.

كان غاندي، ذلك الهندي النحيل الضئيل الحجم، مؤمناً بقدرة شعبه على طرد بريطانيا العظمى من بلده، واختار لتحقيق تلك الغاية المقاومة المدنية وثقافة اللاعنف، واستفاد من كارزميته وحب الهنود له. درس العلم الحديث في جامعات الغرب ووظفه في فهم عدوه وإنقاذ بلده، وقد أصبح بشهادة الجميع قائداً روحياً ووطنياً يتعالى عن كل الصغائر، وقد كان يحتج على الخلاف الذي كان ينشب أحياناً بين المسلمين والبوذيين بالصيام والعزلة، ويبقى كذلك حتى تتوصل الأطراف المتصارعة إلى اتفاق. إن استخدام غاندي مواهبه في توجيه الشعب الهندي وزيادة قدرته على مقاومة المستعمر واستخدام كل الأساليب المتاحة من العصيان المدني إلى مقاطعة البضائع البريطانية إلى مواجهة البنادق البريطانية بالصدور العارية حتى انهزم المدجج بالسلاح أمام صاحب الأرض والمدافع عن الحرية. ولا تقل تجربة جنوب إفريقية في مواجهة نظام الفصل العنصري "الأبارتيد" بزعامة رمز الحرية في عالمنا "نلسون مانديلا" أهمية عن تجربة غاندي في دلالاتها الغنية وفيما تتيحه من خيارات متنوعة تصب في تقوية الممانعة ورفد المقاومة بزخم جديد.

أما أنا فلم تبلغ بي الحكمة درجة تبنّي استراتيجية "اللاعنف" في عالم مليء بالجنون والحروب، لكنني أتذكر المغزى الجميل والعميق الذي قصده الفيلسوف "نيتشه" عندما قال: "حاذر وأنت تقاتل الوحوش من أن تتحول إلى وحش مثلهم". آنذاك ستكون مع بقية الإنسانية خاسراً، سواء أكانت نتيجة المعركة في صالحك أم صالحهم

1