بيان إنطلاقة جبهة المقاومة
الوطنية اللبنانية في 16 أيلول 1982 |
يا أبناء بيروت
البطلة،
يا أبناء شعبنا اللبناني العظيم في الجنوب والجبل والبقاع والشمال،
أيها المقاتلون الوطنيون الشجعان
إن العدو الإسرائيلي المستمر في حربه الوحشية ضد لبنان منذ أكثر من مئة
وأربعة أيام يبدأ اليوم تدنيس أرض بيروت الوطنية الطاهرة التي قاومت ببطولة
طوال هذه المدة ولقّنته في خلدة والمتحف وفي ضاحيتها الجنوبية وكل مداخلها
دروساً في البطولة لن ينساها.
إن العدو المجرم يتنكّر لكل الاتفاقات التي أُجبر على إبرامها بفضل المقاومة
البطلة للشعبين اللبناني والفلسطيني بقيادة القوات المشتركة، ويستهدف اقتحام
بيروت الوطنية التي استعصت عليه عندما كانت في حال الاستنفار والتعبئة، وقبل
تثبيت الخطة الأمنية التي قضت بتسليم أمن بيروت للسلطة الشرعية.
إن العدو الإسرائيلي يستأنف جريمته النكراء وسط الرعاية الأميركية نفسها التي
تميزت بالخداع المكشوف والرخيص والتي أظهرت خلالها الولايات المتحدة
الأميركية أنها القائدة الفعلية للعدوان عسكرياً وسياسياً ضد لبنان وشعبه،
ويكشف التذرع بجريمة اغتيال المرحوم الشيخ بشير الجميل للقيام بهذا العدوان
الغادر على بيروت الوطنية مسؤولية إسرائيل وأميركا عن جريمة الاغتيال كما
يؤكد مدى خطورة الأهداف المجرمة التي يحملها المخطط الأميركي الإسرائيلي ضد
لبنان، وحدة وكياناً ومصيراً.
إن أميركا وإسرائيل لا تريدان لبنان بلداً موحّداً مستقلاً حراً سيداً
وديموقراطياً.
إن أميركا وإسرائيل ستتابعان تنظيم الدسائس والمؤامرات لتفرقة شعبنا وتقسيم
بلادنا وتجزئتها تأميناً لسيطرة مديدة لهما على لبنان، وعبر لبنان على سائر
الأقطار العربية المجاورة.
يا رجال ونساء لبنان من كل الطوائف والمناطق والاتجاهات.
أيها اللبنانيون الحريصون على لبنان بلداً عربياً سيداً حراً مستقلاً.
إلى السلاح استمراراً للصمود البطولي دفاعاً عن بيروت والجبل، عن الجنوب
والبقاع والشمال.
إلى السلاح تنظيماً للمقاومة الوطنية اللبنانية ضد الاحتلال وتحريراً لأرض
لبنان من رجسه على امتداد هذه الأرض من أقصى الوطن إلى أقصاه.
أيها اللبنانيون،
إن واجب الدفاع عن الوطن هو أقدس واجب. إن شرف القتال ضد المحتلّ هو الشرف
الحقيقي الذي ينبغي لكل وطني أن يفاخر به.
فلتنتظم صفوف الوطنيين اللبنانيين كافة، وبغضّ النظر عن انتماءاتهم السابقة
وعن الاختلافات الإيديولوجية والطائفية والطبقية، في جبهة المقاومة الوطنية
اللبنانية ضد الاحتلال الإسرائيلي، كسراً للقيد الذي تحاول أن تفرضه اليوم
أميركا وإسرائيل على عنق شعبنا الحر ورفعاً لراية التحرر الحقيقي لشعبنا
العظيم.
16 / 09 / 1982
جورج حاوي
محسن إبراهيم
|
محسن إبراهيم ومنظمة العمل الشيوعي ينعيان
رفيق الدرب وزميل نداء المقاومة |
نعى
الأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي في لبنان محسن ابراهيم <<رفيق الدرب>>
الامين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني جورج حاوي، واكد <<اننا لن
نغير ابدا ولن نتغير تحت كل الظروف عن متابعة الطريق التي سار عليها
الشهيد>>. واكدت منظمة العمل الشيوعي في بيان اصدرته <<ان دماء جورج حاوي
ودماء كل الشرفاء الذين سبقوه ستكسر نصال الظلام المسمومة>>.
وكان ابراهيم قد نعى الى <<جميع الوطنيين اللبنانيين وسائر الوطنيين العرب
في كل مكان، صديق العمر ورفيق الدرب وزميل النداء الاول لجبهة المقاومة
الوطنية اللبنانية للاحتلال الاسرائيلي عام 1982 الركن البارز في الحركة
الوطنية والقائد المقدام في الحركة الشيوعية اللبنانية الرفيق الشهيد جورج
حاوي>>.
وقال ابراهيم: استشهاد جورج حاوي بعد 28 عاما من استشهاد قائدنا ورئيسنا
كمال جنبلاط يأتي ليعلن في هذه اللحظة الدامية القاسية ان صراعنا مستمر بلا
هوادة من اجل لبنان ديموقراطي مستحق للحياة يكون ابناؤه الاحرار وحدهم
ضمانة استقلاله النابض الشجاع وخزان عروبته الطليعية المستنيرة.
وختم ابراهيم قائلا: على هذه الطريق سار الشهيد جورج حاوي وعليه نحن
مستمرون. لن نغير ابدا ولن نتغير تحت كل الظروف.
بدورها، قالت المنظمة في بيان لها <<امتدت يد الغدر الخسيسة فنالت من
القائد الوطني الكبير جورج حاوي، الشيوعي القلق واليساري الدائب والاشتراكي
الدائم>>. وذكّرت المنظمة بنضالات حاوي كقائد شاب ومساهمته في تعميق انتساب
الشيوعيين الى بيئتهم ودفاعه عن حرية قرارهم واستقلاله وعروبة وطنهم.
واشارت المنظمة الى مساهمته في الدفاع عن حرية فلسطين ووقوفه في وجه
الاحتلال الاسرائيلي واطلاقه نداء المقاومة دفاعا عن حرية لبنان وعروبته
وتطوره الديموقراطي.
وكررت المنظمة سؤال حاوي الدائم: متى لبنان العربي الديموقراطي السيد
المستقل، وكأنه لا مكان لعروبته الحية النابضة لأن النصوص العربية الميتة
الجامدة اقوى، ولا مكان لديموقراطيته لأن نصوص الطوائف المبهمة عسيرة
الممرات. وكأن لا مكان لاستقلالية وسيادية حاوي لأن السيادات والاستقلالات
مفصلة على مقاسات حدود الجماعات الاهلية المتناحرة.
وشددت المنظمة على ان اسئلة حاوي ستظل ممسكة برقاب كل الذين لا يعرفون
الوطن إلا من خلال صناديق مغانمهم، مؤكدة تشبث رفاق حاوي بحلم الوطن
ومضاعفة البذل والجهد في سبيل تجسيده. وختمت المنظمة قائلة: <<لن يطول زمن
الجريمة، ولن ينتصر زمن الخوف، وستكسر دماء جورج حاوي ودماء كل الذين سبقوه
كل نضال الظلام المسمومة>>.
|
المقال الأخير لجورج حاوي |
نشرت صحيفة <<الرأي العام>> الكويتية في عددها أمس <<المقال الأخير>>
لجورج حاوي كتبه ب<<خط يده>> عشية اغتياله، بعد ظهر الإثنين، ويتناول فيه
المشهد السياسي اللبناني في ضوء انتخابات الشمال والاصطفافات الجديدة في
البلاد.
وجاء فيه:
<<عانى المسيحيون في لبنان مذ الطائف حالة تهميش، ومرحلة هيمنة فئوية على
حسابهم من خلال التطبيق المشوّه للطائف، داخليا، والانتقائي، خارجيا، وتحديدا
في ما يتعلق بتنظيم الانسحاب السوري، والوجود السوري في لبنان.
لقد تم تنصيب ممثلين مزيفين عنهم في السلطة، وفي المجلس النيابي، لولا قلة
ممن التقوا في إطار قرنة شهوان يستظلون عمامة البطريرك، ويستلهمون بيانات
المطارنة...
وبين الموقف الواقعي، والعاقل، والمتزن للقادة السياسيين المسيحيين المعارضين
والموقف الشعبي المحتقن والغاضب، نشأ تناقض واضح... الى ان جاء اغتيال الرئيس
رفيق الحريري، فانفجر الشارع المسيحي كما الشارع السني والدرزي، والتقى
الجميع في 14 آذار (مارس)... طلبا للحقيقة، ولإخراج السوريين، ولإسقاط النظام
الأمني...
غير ان <<معارضة 14 آذار (مارس)>> لم تكمل الطريق. وطغى الهم الانتخابي على
أقطابها. تصاعد انتقاد بعض القادة المسيحيين لبروز دور وليد جنبلاط وسعد
الدين الحريري. وبات الهمس يتزايد حول قيادة الدروز والسنة للشارع المسيحي،
وتزايد تمايز البطريرك المقصود عن المعارضة الموحدة.. وجاءت بعض تكتيكات وليد
جنبلاط لتثير الشكوك، وخاصة لقاءه مع قادة حزب الله وحركة أمل... وذهابه الى
الانتخابات ولو بقانون الألفين...
في هذه الاجواء جرى ترتيب عودة العماد عون، بأمل إحداث قنبلة فراغية في صفوف
المعارضة. ولعب بيان المطارنة بانتقاد صيغة إقرار قانون ال2000 دورا في
الهياج الطائفي... الذي قفز عليه العماد عون، وكل بقايا النظام الأمني
مزايدين على ادراج بكركي... ومثيرين اجواء طائفية مقيتة، جرى في ظلها التشكيك
بقرنة شهوان، وبمدى مصداقيتها...
ولعب الاعلام دورا بالغ السوء حيث تولت احدى المحطات المعروفة بث السموم
الطائفية بشكل ممجوج... وكانت التفجيرات الامنية قد استهدفت منطقتي المتن
وكسروان خصيصا لاثارة المسيحيين، وإخافتهم، وجعلهم يطالبون بزعامة تحميهم!...
هنا جاء دور العماد عون، فاوض مع وليد جنبلاط وسعد الحريري ليختلف، وليبرز
كزعيم مسيحي يريد تحجيم المسلمين... والله يعلم ما هو دور أميركا، وما هو دور
الكنيسة في هذه الطروحات... التي غطت اتفاقات عون المشبوهة مع ميشال المر
وحزب الطاشناق وطلال ارسلان... وأخيرا سليمان فرنجية والحزب القومي وكل عملاء
سوريا... وكل الاوساط المشبعة بالفساد... وذلك تحت عنوان محاربة الفساد...
إن الشارع المسيحي كان يطالب بزعيم... أي زعيم... أكان عاقلا أم مجنونا...
وتهيأ له انه قد حظي به... انه العماد عون فكان ما كان في جبل لبنان
الشمالي... ثم جاءت الصفعة في الشمال... لتشكل ردة فعل قاسية على وجوه أولئك
الذين اعتقدوا ان 14 مارس قد انتهى...
الظاهرة العونية ليست بريئة. ولن تكون طويلة الأجل...
لقد بدأ المسيحيون يدركون ان نتائجها الأساسية هي تقسيم المعارضة، ضرب صفوف
القوى غير العميلة لسورية، وتفتيت المسيحيين بشكل خاص في وقت يتوحد فيه
المسلمون اكثر من اي وقت مضى!...
ذهبت السكرة وجاءت الفكرة، كما يقول المثل!
والناس تتساءل: أين هو البرنامج؟ أين هي المبادئ في ظل التحالف مع ميشال المر
والطاشناق وسائر العملاء؟
أين هي الشفافية ومحاربة الفساد في ظل قبض ملايين الدولارات من عدد واسع من
المرشحين، والانغماس في عمليات الرشوة!...>>.
|
الجزيرة تبث
حديثاً معه يذاع للمرة الأولى - حاوي
: المشروع بصيغته القديمة فشل |
نشأ في
عائلة متواضعة، وتعلم في مدارس مسيحية، وبسبب جداله مع رجال الدين اعتنق
الماركسية.
تعرض لمحاولات اغتيال عديدة، وحُرق منزله خلال الحرب الاهلية ، كما احرق
منزل اهله وهدم جزء منه. يقول جورج حاوي بان ميشال المر هو الذي يقف خلف
احراق منزل اهله، وهو الذي نافسه على زعامة بتغرين.
حصل على جوازات سفر عدة: جزائري، يمني، ليبي، سوري، ولبناني شرعي ومزور
مرات عدة، ولكنه لم يحصل على جواز سفر سوفياتي.
معلومات وردت في مقدمة برنامج <<زيارة خاصة>> الذي حاور خلاله الزميل سامي
كليب الامين العام السابق للحزب الشيوعي الراحل جورج حاوي، وهو حوار لم يبث
الا يوم امس.
يقول حاوي بان المشروع بصيغته القديمة قد فشل، ويبقى الحلم والتصميم على
دراسة اسباب الفشل لبناء المشروع الجديد من قبل الاجيال الطالعة.
ورداً على سؤال حول الجهة التي قتلت الراحل كمال جنبلاط، يقول: <<من زمان
نحن نعرف من قتل كمال جنبلاط، واليوم سأعلن وبمسؤولية، انه احد اطراف
النظام السوري النافذ، وانا واثق ان ذلك تم دون علم الرئيس الراحل حافظ
الاسد، وهذه معلومات واصبحت واضحة وكثير من الناس يعرفونها. الدكتور رفعت
الاسد هو وراء هذا الاغتيال، وكان يحتل موقعاً اساسياً. ولم يحصل اغتيال
كبير في لبنان والمنطقة بقرار من طرف واحد، بل كان هناك فريق يحمي وآخر
يغتال، وقد كنا فشلنا في ايجاد ملاذ آمن لجنبلاط بما في ذلك القاهرة(..).
وحول الجهة التي اغتالت الرئيس الراحل رفيق الحريري يقول حاوي: دعنا ننتظر
صدور تقرير اللجنة الدولية. الفارق هنا هو انه لم يكن هناك تخل من الفريق
الآخر، هذه المرة الفريق الحامي لم يتخل.
يضيف: المشكلة بان الحريري تصدى للحالة الاقتصادية من دون ان يتصدى للاصلاح
السياسي، وهذا ليس خطأه وحده، النظام الامني قال له: <<الموضوع الاقتصادي
لك والموضوع الامني لنا>>، وقبل مرغماً بذلك، وبعد ان قبل قيل له: <<ما لنا
لنا وما لك لك ولنا>>.
واعتبر ان اغتيال الحريري جاء انتقاماً من دور ماضٍ له وخشية دور لاحق في
ما يتعلق بالمشروع الاقتصادي ودوره العربي، وسيطرة النظام الامني لم تكن
ممكنة طالما ان الحريري يحتل هذا الحجم، ويتحالف مع وليد جنبلاط وعبره مع
المعارضة في الانتخابات التي كانت على الابواب. وبغباء استثنائي وحقد لا
مثيل له وبروح اجرامية استثنائية اتخذ هذا القرار، اما لإرهاب آخرين وقلت
في حينها انها جريمة (ممهورة بتوقيع منفذها) signe واما ان يفجر الاغتيال
اوضاعاً في لبنان تؤدي الى تأجيل الانتخابات وتشعل ناراً ملتهبة اوسع من
نار اغتياله، الا ان ما جرى كان عكس ذلك، إذ هبّ الشعب بأكثريته الساحقة
وتاريخ 14 آذار شاهد على ذلك.
واعتبر ان الدخول السوري الى لبنان لم يكن قد تم بموافقة اميركا فقط، بل
اسرائيل ايضاً، وكان المغفور له الملك حسين اجتمع و(رئيس الوزراء
الاسرائيلي الراحل مناحيم) بيغن في السفارة الاسرائيلية في لندن، وتولى
ابلاغ حافظ الاسد بهذه الموافقة كضمانة لعدم اعتداء اسرائيلي على سوريا.
واشار الى أن اسرائيل تحكمت بالصراع في لبنان وكان هدفها استمراره، وعندما
كادت سوريا تقضي علينا كانت اسرائيل تغض النظر عن جلب الاسلحة الى لبنان من
خلال مصر، الجزائر والاتحاد السوفياتي وغيرها من البلدان. وعندما كنا
والمقاومة الفلسطينية ضد سوريا كانت اسرائيل تزعجنا في الجنوب... لقد كانت
جزءاً من قرار عربي دولي أزكى حرب لبنان، كي يطوع اطرافها خاصة السوريين
والفلسطينيين.
ولفت الى <<اننا كنا اكثر تطرفاً بالحرب من حافظ الاسد، كان يطلب منا وقف
اطلاق النار وكنا نرفض، كان يطالب بمصالحة داخلية وكنا نرفض، كنا نسعى نحو
مشروع تغيير نوعي في النظام اللبناني، ليس على اساس طائفي كما اتهمنا، بل
على اساس علماني تقدمي، ورأى انه طالما النظام الطائفي موجود فالخارج لديه
مطامع.
ويتحدث عن ظروف دخول الحزب الشيوعي في حرب مع حركة <<امل>> ويقول: حتى ان
حزب <<الله>> دخل في تجربة شبيهة مع الحركة، وقلت آنذاك <<لو قدر الله
وانتصرت الحركة ما كانت راحت المقاومة؟>> مؤكداً ان اسلوب الحزب وتنظيمه
وكفاءاته والدعم الذي يتلقاه كله يختلف قياساً الى الحركة. اننا لم نستطع
ان ننتصر بوجه الحركة، كما اننا دخلنا في حصار مالي هائل من كل الانظمة
العربية بما في ذلك ليبيا، علماً اننا كنا نتلقى الدعم من العراق ايضاً
واليمن والجزائر ومساعدات مختلفة من البلدان الاشتراكية.
وقال: اننا نفذنا 118 عملية جدية، 95 منها قمنا بها بين العامين 1982
و1990، ولا أذكر أنني طلبت اذناً لعملية. ولكن السوريين اذكى من ان يطلبوا
منا وقف العمليات بل انهم يدفعوننا الى وقفها اذا شاؤوا.
وحول اختفاء السيد موسى الصدر وعلاقته بمعمر القذافي قال: سألت القذافي
عشرات المرات عن الامر، ودخلت في وساطة شبه رسمية، حيث كان القذافي ينفي
نفياً قاطعاً انه وراء اغتيال او اختفاء الصدر، وقال لو ارادوا قتله لما
فعلوها في ليبيا، بل في بيروت او الجنوب اللبناني، وهذا منطقي.
واضاف: ان اختفاء الصدر واعتقد ان مقتله برغم ان لا ادلة عندي حول ذلك نجم
عن فعل مؤامرة داخل ليبيا، اُستهدف فيها الصدر والقذافي والعلاقات السورية
الايرانية الليبية. واعتبر ان محاولات اخفاء هذه الجريمة بإرسال جوازات
السفر الى ليبيا و<<الشنط>> الى ايطاليا واخفاء الجثة (باعتقادي) كان هدفها
اخفاء هذه الحقائق عن القذافي حتى لا ينتقم ممن اقترفوها.
ورداً على سؤال رأى ان النظام اللبناني فاسد، والوضع العربي في اسوأ ايامه،
ونحن امام ثلاثة خيارات: اما القبول بالاحتلال الاميركي، او القبول بالحالة
الاصولية <<البنلدانية>> (على طريقة بن لادن)، او القبول بالانظمة التي
اذلت مجتمعاتنا..
ورداً على سؤال قال: انا لم اقتل احداً، بل خططت لقتل اسرائيليين، اما خلال
الحرب الاهلية فلا ازال اعتقد اننا كنا بموقع دفاعي.
|
خالد حدادة |
سنبقى كما أردت |
جورج
حاوي رحل: هل يمكن للتاريخ أن يرحل؟!
هل يمكن لرمز لحركة شعب أن ينسف بقطعة متفجرات تدس تحت مقعد في سيارة؟
هل يمكن لتاريخ لبنان منذ منتصف الستينيات وحتى الآن، أن تقتله أحقاد
القتلة؟!
هل رحل كمال جنبلاط باغتياله؟! هل رحل فرج الله باغتياله؟
لم يرحل <<أبو أنيس>>، هذا الصاخب من دون أن يضجر، المناضل من دون أن يتعب.
لن يرحل جورج حاوي ومعه أمل شعوبنا العربية بعروبة تقدمية ديموقراطية خالية
من هواجس الأمن والقمع.
لن يرحل الجنوب.. ومن أطلق النداء الأول من أجل مقاومة الاحتلال، المجبول
عرقه بكل حبة تراب من بيروت إلى الجنوب، المجبول هذا التراب بدماء شهداء
المقاومة الذين كان قائدهم وكان حاضراً معهم في كل طلقة و<<عملية>>
وانتصار.
لن يرحل الحلم بلبنان الديموقراطي، هذا <<اللبنان>> الذي أراده جورج حاوي
وحزبه علمانياً، ديموقراطياً، في مواجهة فعل التقسيم والشرذمة الطائفية.
لن يرحل صاحب الحلم بالإصلاح والمصالحة الوطنية الحقة، الذي فاجأ الجميع
مقترحاً باسم حزبه الذهاب إلى انطلياس، عارضاً برنامجاً للمصالحة الوطنية،
برنامجاً للتغيير الديموقراطي: مشروع كمال جنبلاط.
كيف يمكن أن تقتل <<روح المبادرة>>، ويرحل الرجل الذي كان ولادة مبادرات من
أجل لبنان الموحد الديموقراطي.
هل يمكن أن يرحل فقراء لبنان وكادحوه، الذي ذاب جورج حاوي التصاقاً
بقضاياهم، والذين هاجر بعضهم بحثاً عن العمل والعيش الكريم دون أن يهجروا
فكرة الوطن وحلم التقدم.
هل يمكن ترحيل الشعب بأكمله ليبقى <<نواطير المفاتيح>>؟!
جورج: في تشييع مهدي عامل قلت <<إن حزبنا لا ينسى، ويعرف كيف يرد>>.. هذا
الحزب، أيها الرفيق القائد، يعاهدك اليوم بأنه كما أردته، قوياً بوحدته،
فاعلاً في حياته الديموقراطية وتنوعه، صلباً في تيار قوى اليسار
والديموقراطية في لبنان والعالم العربي والعالم، مؤتلفاً مع نسيج شعبك
المناضل في اتجاه الوطن العلماني والديموقراطي الذي حلمت به نموذجاً
للعروبة الديموقراطية التقدمية..
وليبلع الحاقدون المحيط.. فأنت لا ترحل، وأفكارك وقيمك باقية..
نعاهدك يا جورج أن نبقى كما أردت: متنوعين بتفاعل، وأن يستمر التاريخ فينا
يخلق الأمل بالمستقبل الأفضل، وتضيء بسمتك وأفكارك هذا الليل اللبناني
العربي الحالك، والذي يعمل القتلة لكي يستمر إلى الأبد.
() الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني
|
كريم مروة |
سنكمل يا رفيقي |
ما أصعب هذه اللحظات عليّ، أنا رفيق جورج حاوي منذ خمسين عاماً.
رفيقه في درب اخترناه بوعي، هدفنا فيه واضح مثل ضوء الشمس: وطن حرّ وشعب
سعيد. لكننا منذ أن اخترنا هذا الطريق، كنا نعرف أنه طريق صعب مليء
بالألغام... بالقتلة.
سبقنا إلى الشهادة رفاق كبار وأصدقاء كبار ورموز للحرية من كل التيارات. هل
ننسى فرج الله الحلو وحسين مروة ومهدي عامل والشيخ صبحي الصالح وآخرين؟
مسلسل القتل سيستمر وهذا ما يشير اليه اغتيال جورج حاوي هذا الصباح.
البارحة كنتُ مع جورج حتى الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وكنا نبحث
معاً حول ما ينبغي علينا القيام به في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ بلدنا،
المرحلة التي ينتقل فيها لبنان، بصعوبة وبأثمان باهظة الى حرية افتقدناها
طويلاً، وتساءلنا قبل أن نفترق: مَن هو الهدف التالي بعد سمير قصير؟ هل يُعقل
أن يأتي الجواب في هذا الصباح، ويكون جورج هو هذا الهدف؟
أقول لرفيقي جورج وأنا أودّعه، بكل ما أعانيه من آلام، إننا ماضون في هذا
الطريق الذي اخترناه. منذ أكثر من نصف قرن باسم ديموقراطية التقدم والحرية
والعدالة الاجتماعية الذي كان مشروعنا الاشتراكي عنوانها بالأساس.
كتبنا كثيراً وتحدّثنا كثيراً حول كيفية إعادة صياغة هذا المشروع في شروط
عصرنا، فثق يا رفيقي جورج إنني سأكمل ما بدأناه حتى لو كان الثمن باهظاً من
نوع ما تمثل في اغتيالك واغتيال سمير قصير وآخرين قبل ذلك بزمن.
هذا هو قدرنا.
|
حسين عبد الرازق |
جورج حاوي .. واستهداف لبنان |
لم
ينقضِ وقت طويل على اغتيال رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق وأحد
أبرز شخصياته (14 فبراير 2005) ورجل الوفاق الوطني ورجل النهوض الاقتصادي
والشخصية اللبنانية التي حظيت باحترام عربي ودولي كبيرين، حتى اغتيل
الصحافي سمير قصير وجرت محاولتان لاغتيال شخصيات سياسية لبنانية، وأخيرا
اغتيل أمس جورج حاوي الأمين العام السابق للحزب الشيوعي اللبناني.
وجورج حاوي ليس مجرد شخصية سياسية عادية، فإضافة لموقعه في اليسار
اللبناني عامة، فهو شخصية وطنية ينتمي الى جيل من القادة اللبنانيين
الذين تجاوزوا الانتماء الطائفي واحتلوا موقعاً بين كل اللبنانيين، وكان
من أبرز الذين انحازوا للمقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومن القلة
النادرة التي اختارت ترك مواقعها القيادية لتفسح المجال للأجيال الجديدة
لتولي القيادة. ودافع في الساحة الإقليمية والدولية عن قضايا لبنان
وفلسطين والاشتراكية.
وقد جاء اغتياله في توقيت اختاره القتلة بدقة. فنتائج الانتخابات
اللبنانية الديموقراطية التي جرت بعد خروج سوريا من لبنان وأدت الى فوز
تحالف من غير حلفاء سوريا، فتحت الباب أمام لبنان جديد يتجاوز الطائفية
وتسوده أجواء الحرية والديموقراطية، فإذ بهذه الجريمة تشوّه هذا العرس
وتنذر بدخول لبنان في نفق مظلم.
فالاتهامات تطال الجميع.. من إسرائيل، إلى سوريا أو المخابرات السورية
الى الأمن اللبناني الذي يتحمّل المسؤولية عن توالي عمليات الاغتيال دون
أن يضع يديه على أي خيط يقود إلى الفاعلين أو يوفر الحماية للشخصيات
المستهدفة.
ويلفت النظر في هذه الجريمة أن جورج حاوي لم يكن من الشخصيات العنيفة
التي تفرق بين العداء والخصومة، بل كان دائماً يحكمه المنطق والعقل. ولكن
يبدو أن العقلاء مستهدفون قبل غيرهم. ولكن لبنان هو المستهدف أولاً. ففي
لبنان استطاع عشرات الآلاف من المتظاهرين في الشوارع والميادين أن يسقطوا
حكومتهم، وهو حدث جديد على العواصم العربية، وأن يفتحوا الباب أمام تطور
ديموقراطي يفتح شهية الشعوب العربية للتغيير ويمنحها الثقة في قدرتها على
الفعل، وأن ينهوا دور قيادات تقليدية عفى عليها الزمن ويدفعوا للواجهة
بقيادات جديدة وتجمعات شعبية تتجاوز تعقيدات الواقع اللبناني.
وعلى هؤلاء جميعا تقع اليوم مسؤولية التصدي لكل الذين أفزعهم لبنان
الجديد ويحاولون وأده قبل أن يشتد عوده، ويحولوا استشهاد جورج حاوي الى
تجاوز جديد للطائفية ولحظة للتلاقي وتأكيد للحرية والديموقراطية.
الأمين العام لحزب التجمع القاهرة
|
طلال سلمان |
وجورج حاوي شهيداً: اغتيال لأمان كل لبناني |
مع الدوي المهيب الذي أعلن اغتيال جورج حاوي، صبيحة أمس الثلاثاء
الواقع فيه 21 حزيران 2005، انتشر الذعر في أربع رياح لبنان، ورفرف الموت
بأجنحته فوق كل المدن والقرى والدساكر بعيدها عن بيروت أو المتصل بها كضاحية.
بكت الأمهات في البيوت وهن يهرعن إلى الهاتف للاطمئنان عن الأبناء في
المدارس، وأعول الأطفال وهم يغرقون في خوفهم من ذعر أمهاتهم... أما الرجال
فقد وجموا، في عيد الأب حيثما كانوا، وهم يهجسون بمن تراه من بينهم يكون
الضحية التالية على قائمة الموت التي تبدت مفتوحة كشبكة شيطانية ممتدة حتى
لتشمل الجميع من غير استثناء!
لكأن لبنان صار أرض الموت بعدما امتلأ بأشباح القتلة الذين عجز اللبنانيون عن
تحديد أهدافهم المحتملة، وبالتالي عن مقاصدهم الفعلية التي لا تتخذ طريقها
إلا عبر الدم!
فأن تمتد يد الاغتيال إلى جورج حاوي، بالذات، بعد قافلة الشهداء الذين خسر
لبنان بعض معناه (وبعض عروبته) بفقدهم، فمعنى ذلك أن كل مواطن مهدد، بغض
النظر عن معتقده وهويته السياسية..
فجورج حاوي كاد يكون متفرغاً لمحاورة الآخرين، داخل حزبه كما داخل الأحزاب
الأخرى، وفي مواقع القيادة، داخل لبنان وفي جواره القريب والبعيد، بدءاً من
سوريا وحتى اليمن، وانطلاقاً من فلسطين وحتى السودان، مروراً بمصر والجزائر
والمغرب، قبل أن نصل إلى أحزاب الحركة الشيوعية في العالم، انه لا يمكن أن
يشكل مصدر خطر على نظام أو تنظيم، أو جماعة أو مجموعة. إنه لا يملك إلا
رأيه... ورأيه مفتوح على الاجتهادات، وهو قابل للنقاش دائماً، وقابل لأن
يتطور فيتحول في اتجاه التسوية. إنه ملك التسويات والحلول الوسط، بل انه
مبتدع مثل هذا الخط حتى في القضايا المبدئية.
إنه نموذج لشيوعي فذ، ناضل مع كوكبة من الحالمين بغد أفضل، ليتخطى الحزب إطار
الشغيلة والكادحين، بالمفهوم الأممي، فيكون الحزب الوطني العربي، بقدر ما هو
ماركسي المنطلق والمبادئ الفكرية. ولقد نجح، مع سابقيه ورفاقه من الذين انفتح
وعيهم على هوية أرضهم وناسها، في إسقاط شيء من <<الهجانة>> كانت لاحقة
بالحركة الشيوعية العربية... وتمكنوا، مجتمعين، من <<تعريب>> هذه الحركة، ومن
التعميق لجذورها في المجتمعات العربية بحيث لا تبدو مستفزة لمعتقداتهم ولعميق
انتمائهم إلى أرضهم وتاريخهم وتراثهم الديني والثقافي النابع منها.
جورج حاوي؟.. ولكنه لم يكن مصدر خطر إلا على موقعه التنظيمي وسمعته السياسية،
فاتّهم كثيراً، وأدين بخروجه على الانضباط الحزبي، وعوقب على اجتهاداته، غير
مرة، بل لقد بلغت الاتهامات حد اتهامه بأنه عميل للإمبريالية!!
لقد كان يختزن ذلك القلق الفذ الذي لا يملكه إلا الباحث عن يقين، وبإصرار بل
عناد لا يتحلى بمثله إلا المقاتل من أجل التغيير، ولو على مراحل.
جورج حاوي؟! ابن جبل لبنان، رافع راية النضال من أجل فلسطين، الساعي إلى
تسوية ذات أفق وطني وقومي مع سوريا، حادي الثوار في اليمن، المبشّر بالعروبة
في ليبيا، مهدئ اندفاعة <<بطل القادسية>> حتى لا يتسبب في تدمير العراق ومن
بعده الأمة.
جورج حاوي؟! الذي قاتل القوى التي تصدت لحركة التغيير في لبنان، ثم انقلب إلى
محاور ممتاز لها بعدما عادت إلى وعيها، مناصر الثورة الفلسطينية من أجل
الوصول إلى فلسطين بقوة السلاح التي قد تأتي بالحل، المفاوض الذي لا يتعب مع
القيادة السورية لترشيد قرارها حول لبنان.
جورج حاوي؟! كاتب البيان الأول (مع محسن إبراهيم) لأول عملية فدائية نظمها
ونفذها شيوعيون ضد عساكر الاجتياح الإسرائيلي للبنان في أيلول 1982؟!
جورج حاوي؟! المشاكس، المغامر، المجادل، المحاور، المتنقل، المتبدل، المتحول،
المتجول بين الأفكار والأحزاب والأنظمة بين أدنى الأرض في المعسكر الاشتراكي
العظيم وأقصاها، في المجتمع الأميركي وصولاً إلى كوبا كاسترو وتشي غيفارا...
ثم إلى واشنطن ومنتدياتها، محاضراً ومجادلاً فذاً..
جورج حاوي؟ الشيوعي الذي أخذه الإحباط إلى القول بضرورة تجنب المواجهة حتى
الانتحار مع الرأسمالية وهي في ذروة انتصارها، وأخذته الخيبات والانتكاسات
القومية إلى التسليم بالكيانية لطمأنة الطوائف الخائفة أو المخوّفة حتى لا
تهدم الوطن على رأسها ورؤوس شركائها فيه..
جورج حاوي؟! أمثل هذا الرجل الأعزل إلا من اجتهاداته وأفكاره وأهوائه وإصراره
على التجريب، وعناده على الحوار مع رافضه، المتنازل حتى يتمكن، فإذا تمكّن
أخذ شريكه إلى الحل الوسط..
جورج حاوي... أحد أبرز الشهود، وصاحب الخبرات النادرة في أسباب النجاح والفشل
في الحركة الوطنية العربية، وصاحب الاجتهادات غير المسبوقة في <<توطين>>
الحركة الشيوعية وتعريبها، بالحوار والمجادلة والابتكار وقوة الحجة ولو اضطره
الأمر إلى المبالغة وإلى التهويل بمخاطر رفض التسوية والإصرار على معاندة
المحيط..
أمثل هذا الرجل المسالم الذي لا يحمل غير أفكاره واجتهاداته يستحق القتل
اغتيالاً، وفي وضح النهار، وأمام منزله؟!
جورج حاوي.. أحد أظرف الناس، وأحد اثنين تحمل بصماتهما مرحلة العمل في إطار
الحركة الوطنية بحيوية فائقة، وهي تواجه أقسى الظروف، بالنكتة، أو التشنيعة،
التي كثيراً ما فتحت باب الحوار مع الخصم، وكثيراً ما أسقطت الهالات المصطنعة
من فوق رؤوس قيادات <<استحدثت>> على عجل، وكادت تأخذ الناس إلى انحرافات
دموية ومنعطفات سياسية خطرة!
ليس مبالغة القول إن جورج حاوي بكل اجتهاداته، المصيب منها والمخطئ يكاد يكون
أهم شيوعي عربي، ليس فقط لأنه <<صهر>> المؤسس أرتين مادويان، أحد مؤسسي الحزب
الشيوعي اللبناني، فتلميذ فرج الله الحلو، بل لأنه اقترب حتى كاد يندمج في
الحركة القومية العربية وأسهم في تطوير منهجها الفكري، مهتدياً بقيادة جمال
عبد الناصر في مواجهته الفذة للاستعمار القديم ولمشروع التوسع الإسرائيلي، ثم
متعلماً من تجربة النضال الفلسطيني، ومن صمود القيادة المميزة لحافظ الأسد،
ومن شقاء الدرس في جنوب اليمن، ومن بؤس التجربة الصدامية في العراق، ومن تيه
المغامرات الفكرية لمعمر القذافي..
جورج حاوي... الذي سعى إلى التفاهم بالحوار مع رجل الدولة الذهبي الذي اكتسبت
صورته إطارها البهي الكامل مع استشهاده، الرئيس رفيق الحريري، والذي أقام
جسراً مع المقاومة ممثلة ب<<حزب الله>>، واقترب إلى حد الشبهة من <<قرنة
شهوان>>، وحاول إقامة حوار جدي مع العماد ميشال عون، وجادل رفاقه في الحزب
الشيوعي حتى أتعبهم فاقترح عليهم صيغة المتصل المنفصل، الملتزم مع اجتهاد،
حتى كاد يكون قاسماً مشتركاً مع الجميع من دون أن يستعدي أحداً.
جورج حاوي يكافأ بالاغتيال؟!
لقد سقط الأمان عن رأس جميع اللبنانيين.
إن لبنان في خطر أعظم من كل ما شهده في الحرب الأهلية.
انتباه أيها اللبنانيون، إن وطنكم في خطر، وأنتم جميعاً على قوائم الشيطان
الذي يكره الشمس والحرية وفرح الأطفال.
|
مادونا سمعان |
أبو أنيس يحيا
لحظة استشهاده:خلّص حالك يا ثابت |
 |
كنت
أمام منزله عند الساعة التاسعة والثلث صباحا. نزل بعد دقائق فصبّحته مثل
العادة. ناولني مفاتيح السيارة. استقللناها معا. وقال لي: <<لا داعي لتحمية
السيارة. مشوارنا قريب>>. وعندها سألته: <<الى اين؟>>، فأجاب: نشتري الصحف
ومن ثم الى مقهى ال<<غوندول>>. خرجنا من مفرق المنزل باتجاه ملعب الصفا
وافترقنا يمينا باتجاه محطة الزهيري ووقع الانفجار>>. رواية يتلوها ثابت بزي
مرافق حاوي الذي نجا بأعجوبة وان كان اصيب بصدمة وجروح وكدمات بسيطة
: أتذكر كلمة واحدة قالها لي بعد الانفجار:
خلّص حالك يا ثابت
|
بعد ان كنا صرخنا معا. رميت بنفسي من نافذة السيارة واخذت
بالصراخ. اقتربت من باب مقعده الايمن. كان قد استشهد... تجمهر الناس ونقلوني
الى مركز النجدة الشعبية حيث ما لبث الصليب الاحمر أن أتى وأقلني الى
المستشفى... بعدها لم اعد اذكر شيئا>>. رواية بزي كان يدلي بها ل<<السفير>>
بعد وصوله مساء امس الى منزل والدته في برج حمود. <<فقط لم اعد اسمع بأذني
اليسرى من جراء الانفجار، وهذا امر يمكن حلّه بعلاج طويل>>.
ثابت بزي، في اولى ساعات النقاهة القسرية، في منزل العائلة، بدا كمن يسعى الى
تخطي الفاجعة بهدوء شديد. رفض في البداية الحديث عما جرى... هو فقط يريد
استذكار <<أبو انيس>> وقد بدأ حديثه عنه قبل السؤال: <<ابو انيس كان الحزب،
وكان يردد ان الناس هم الحزب، وهو للناس كما ان الحزب لهم ومنهم>>، ثم يعود
ويروي انه كان يعرفه امينا عاما للحزب الشيوعي و<<انا حزبي، وكان يعني لي
المقاومة التي اطلقها في 16 ايلول 1982>>.
ولكن مع حلول العام 2000 بدأ ثابت بالعمل المباشر مع حاوي <<كنت مرافقه،
سائقه، مساعده، كل ما كان يطلبه كنت اقوم به انا وفؤاد (مرافقه الآخر). ومنذ
ذلك العام وحتى تاريخ استشهاده لم افارقه للحظة باستثناء ايام سفره>>.
في وجه ثابت وكلماته، قوة ذهنية فيها شيء من الصفاء وشيء من الحزم والثبات
(مثل
اسمه)، ربما لأنه يعيش اليوم ضمن عائلة مؤلفة من أم وثلاثة اولاد جرحى حرب
ومن ضمنهم ثابت الذي اصيب في ظهره وعينه، وشقيقة استشهدت عام 1978 واب شهيد
في العام 1982، أصر ثابت على اظهار صورته الوسيمة في كتاب شهداء الحزب
الشيوعي.
<<أم ثابت>>، مريم بزي، تتنقل من غرفة الى اخرى في ذاك البيت الصغير وتهدد
اولادها بالهجرة وحدها <<كلهم يمشون عكس السير>> علقت على اصرار ثابت على
اكمال مسيرته الحزبية.
ولكن ماذا ستفعل بعد اليوم؟ يجيب <<الامر غير متبلور امامي اليوم. ما اعرفه
هو اني تربيت في منزل شيوعي، ولا ارى نفسي الا شيوعيا!>>.
شيوعي لم يندم، لأن كل ما قام به من عمل حزبي <<كان عن قناعة. حتى اصابتي عن
قناعة. وسأكمل عن قناعة. انا ورفاق آخرون سنكمل ما بدأه ابو انيس. بشهداء او
بغير شهداء سنستمر بالطريق الصعب والطويل>>.
ثابت يحبّ <<ابو انيس>> كثيرا، حبّ انتقل وراثيا الى ابنتيه مريم (13 سنة)
وفرح (12 سنة): <<تحدثت اليهما بعد ان استعدت قواي في المستشفى، قالتا لي
<<الحمد لله على السلامة بابا>>. لقد شاهدتا الحادث على التلفزيون بعد
خروجهما من المدرسة. هما تحبان <<ابو انيس>> بالقدر نفسه الذي أحبه>>.
لثابت أشياء كثيرة يقولها عن <<ابو انيس>>؛ روايات مبعثرة في ذهنه لكنه
يستحضر حالة خاصة <<للرفيق>>، يبدو انها الاحب الى قلبه لا بل يعتبرها من
حظه: << تخيلي نفسك مكاني الى جانب جورج حاوي، الامين العام للحزب الشيوعي
سابقا، يغني. كان يدندن كلما كان فرحا ويطرق بيده ايقاعا على رجله او باب
السيارة. هي حالة تجعله خارج اطاره السياسي، ينفر من نشرات الاخبار وكل ما
يعكر صفوه. هي حالة اشتقنا اليها منذ استشهاد رفيق الحريري، حيث كان يبدو في
حالة طوارئ دائمة، يقرأ الصحف ويتابع نشرات الأخبار>>.
جورج حاوي لم يكن يشعر بأن حياته مهددة، كما يقول ثابت <<لا اعداء له، وهو
الذي يعرف كيف يقربهم اليه بالحوار. ولو كان شعر بذلك لكان اتخذ الاجراءات
اللازمة او كان نبهنا على الاقل>>.
يوم الاثنين، الساعة الرابعة بعد الظهر، قال ثابت <<بعد بدك شي؟>>. اجاب
حاوي: <<لا، أعطني مفتاح السيارة وعُد غدا في الصباح، انا ذاهب مع
<<الحكيمة>> (اللقب الأحب الذي ينادي به زوجته على حد تعبير ثابت)>>.
يوم الثلاثاء، الساعة العاشرة إلا خمس دقائق، صرخ ثابت، فقال حاوي: <<خلّص
حالك>>.
يوم الاربعاء، ثابت يبكي ويقول <<خسر الحزب حزبا اسمه جورج حاوي، ليته لم
يؤجل سفره! لم نكن لنخسره>>.
يوم الاثنين، كان ابو انيس سيستقل الطائرة عند الساعة السادسة والنصف لزيارة
ابنته نارا في مصر، إلا انه ارجأ سفره يوما واحدا.
الثلاثاء عند السادسة والنصف، اقلعت الطائرة من دونه. هناك من اسرع به الى
عالم آخر.
المؤكد أن <<ابو انيس>> <<عاش>> استشهاده فصرخ، وكان كلامه الاخير <<خلّص
حالك!>>.
|
جوزف سماحة |
الحيوية الفائضة |
لننس
أوضاع اليسار اللبناني اليوم. لننس ما كشفته لنا الانتخابات من أن التخندق
الطوائفي يكاد يلغي المساحات المشتركة بين اللبنانيين. لننس ما يطيب للبعض
تكراره من أن احتياطي اليسار في المجتمع اللبناني يفوق حجم التنظيمات.
لنتذكر، فقط، أن هذا <<الوطن المعلق>>، الفاقد لأي عمود فقري، العاجز عن
إنتاج مركز توحيدي جدي، لنتذكّر أن هذا الوطن يحتاج، كضرورة لا بد منها،
إلى تيار وطني ديموقراطي يساري عروبي.
إذا نسينا ما نسيناه وتذكرنا ما تذكرناه، أمكن لنا القول إنه لا مجال
لكتابة تاريخ اليسار في لبنان، ولا مجال، أحياناً، لكتابة تاريخ لبنان في
العقود الأربعة الماضية من دون حفظ مكان للشهيد جورج حاوي. لولاه لكان
الحزب الشيوعي اللبناني دخل في مرحلة تكلّس ولكان صعباً أن يكون دوره الدور
الذي كان عليه منذ مطالع السبعينيات.
كان أبو أنيس من الشيوعيين الذين اعتبروا أن وصمة يجب أن تمحى في تاريخ هذا
التيار، وصمة الاعتراف بالتقسيم في 48. لذا، وبعد عقدين، قاد، مع رفاق له،
التحوّل الذي شهده المؤتمر الثاني في وقت كان فيه العرب يبحثون عن سبل الرد
على هزيمة 67، والعالم يعيش ربيع الشباب، والأفكار الماركسية تتعرض لعملية
تجديد حاول البعض أن يصد رياحها عن اليسار العربي.
ولقد مهّد هذا التحوّل، المتلاقي مع الانقلابات التي تعيشها أحزاب الحركة
القومية، مع الجذرية المندفع نحوها كمال جنبلاط، لنشوء المعسكر الذي قاد
النضالات المطلبية العمالية والفلاحية والطالبية في لبنان. ولقد حصل ما حصل
في لبنان، وكان يمكنه أن يكون لبنانياً فحسب، في ظل انعقاد طلب الإصلاح على
شعار حماية المقاومة الفلسطينية التي تصاعد استهدافها وصولاً إلى اندلاع
الحروب الأهلية ودخولها في منعطفات متعددة شديدة التأثر بما كان يدور في
المنطقة.
كان حاوي من الرعيل اليساري اللبناني الذي حاول أن يقود بلاده في عكس
المجرى العام للتراجع العربي، هذا التراجع الذي تبدّى، مرة، بمحاولة تأديب
الوطنيين اللبنانيين، ومرة أخرى، وأخطر، بخروج مصر من دائرة الصراع. ظهرت
في هذه المرحلة
مواهبه القيادية، وحس المبادرة له، وقدرته الفائقة على التفلت من أسر
المعادلات العقائدية الضيقة.
تحوّل حاوي، اعتباراً من 75، إلى وجه عربي ودولي. إلى وجه عربي بصفته أحد
المسؤولين (بعد رياض الترك) عن مصالحة اليسار الماركسي مع القضية القومية،
وإعادة وضع فلسطين في موقعها، وتقديم قراءة يسارية للوحدة والتحرر والتقدم.
وإلى وجه دولي بصفته واحداً من قلائل يخوضون نضالاً مسلحاً ضد القوى
المرتبطة بالمشاريع الاستعمارية. وإذا كان حاوي غالى في الذهاب إلى التحالف
مع الثورة الفلسطينية إلى أقصى مدى فإنه فعل ذلك كعمل تطهري يسمح له بأن
يطرح في الآن معاً أزمة حركة التحرر الوطني العربية وأزمة البديل الثوري عن
قيادتها.
لم يكن صدفة، والحال هذه، أن يكون من المبادرين إلى إطلاق <<جبهة المقاومة
الوطنية>> ضد الغزو الإسرائيلي وأن يخوض معركة إسقاط الاتفاقات التي فُرضت
على لبنان.
كان الرجل يتمتع بفائض حيوية. كان يعشق التكتيك. كان شديد الميل إلى مواءمة
الشعار اليومي مع اللحظة الراهنة. باختصار، كان شديد المبالغة في التفاعل
مع المستجدات. لم يكن ليرضى بتراجع دور الحركة الوطنية واليسار. ولم يكن
ليطيق أن حزبه يمكن أن يكون معزولاً وأن أحداثاً كان منخرطاً فيها يمكنها
أن تستمر من دونه دافعة إياه إلى موقع المتفرج.
يمكن القول إن جورج حاوي هو الرجل اللاهث وراء الفعالية حتى لو قاده الأمر
إلى استبدال نفسه بالحزب، وإلى أخذه على الرفاق التردد والرغبة في تلمّس
موطئ القدم.
عندما يستشعر ضرورة المصالحة مع خصوم كان يبادر إلى المصالحة. وعندما يحس
أن الريح تهب في جهة كان يحاول ركوبها. وعندما يشتم التطورات كان يسبقها
ليلاقيها. وكان قادراً على أن يغرف من ريفيته التي لم يغادرها، ومن أمميته
التي اختبرها، ومن ثقافته المطلة على بعض ما يجري في العالم، ومن ثقته
الهائلة بالنفس، ومن رصيده النضالي، كان قادراً على ذلك كله من أجل تقديم
الموقف، مهما كان جديداً، وكأنه استمرار حرفي لما سبق.
إلا أنه، في ذلك كله، لم يضع البوصلة التي تهديه إلى الأفق البعيد: التحرّر
الوطني والقومي والاجتماعي. اختط لنفسه طريقاً للوصول إلى هذا الهدف، ودخل
في منعرجات كثيرة، وبقي في ذهنه أن الانغراس في التربة المحلية، كما هي،
وبكل إيجابياتها وسلبياتها، شرط من شروط الانوجاد، أي شرط من شروط الاحتفاظ
بالنبرة اليسارية في برج بابل اللبناني هذا.
إن شعوره بأنه واحد من أبناء الجبل لم يفارقه. ولعل ذلك هو ما وفّر له
الشرعية الداخلية المطلوبة للدخول في مغامرات لا تحصى، في مغامرات فكرية،
وسياسية، ونضالية، وعسكرية، وللعب دور المهماز الذي يرغم أياً كان على لوم
نفسه لأنه بطيء الاستجابة.
كان جورج حاوي في المشهد السياسي اللبناني، خلال الشهور الماضية، حاضراً
بقوة، ولو أنه حضور إعلامي أكثر منه تنظيمياً. كان في منطقة ما بين الحزب
الشيوعي اللبناني، وهو عضو فيه، وبين الحساسية التي مثلتها <<حركة اليسار
الديموقراطي>>. إلا أن الأمانة تقضي القول إنه كان مزعجاً لقوى وجهات أكثر
ممّا يسمح به موقع <<القوة الثالثة>>. ولعله لعب دوراً في الدفع نحو
الانخراط النشيط في <<انتفاضة الاستقلال>>، ومارس هوايته المفضلة في اقتراح
المخارج السياسية، والحلول الافتراضية، والسعي إلى توحيد ما يعتبره مشروعاً
لدى الأطراف اللبنانية المتقابلة. كان يصعب عليه أن يبدأ حديثاً عن الأزمة
من دون الانتقال إلى اقتراح التسوية، أي التسوية التي تعلم من تجاربه أن
الوصول إليها حتمي... بعد خسارات لا تحصى.
إن الرد الوحيد على استشهاد أبو أنيس هو امتناع اليسار اللبناني عن الغرق
في انتصارية زائفة أو في سوداوية مستسلمة. إن بعضاً من نشاطيته الفائقة
ضروري... مهما كان مكلفاً.
|