حميد
كشكولي
يقول فيديريكو غارسيا
لوركا ( 1898 – 1936) في
قصيدة:
«لقد أوصدت نافذة القمر،
لا أريد سماع الصراخ ،
لكن خلال جدران الرماد لا اسمع سوي الصراخ .
الملائكة الذين يصدحون بالأغاني لا يتجاوز عددهم أصابع
اليدين،
وقلة من الكلاب تطرب،
فيداي تعزفان ألف لحن ،
لكن الصراخ كلب كبير،
صراخ ملاك هائل ،
فالصراخ يجرح الرياح بالرماح ،
وليس ثمة سوى الصراخ ما
يتناهى إلى الأسماع .»
لقد استشهد لوركا الشاعر الغرناطي الإنسان ، والمناضل الشريف قبل بلوغه الأربعين على يد جلاوزة النظام الفرانكوي الحاكم في بلاده ، لذا
فإدراك وفهم معاني قصائد لوركا، و تبين صورها يتطلب الاطلاع جيدا على أوضاع إسبانيا المأساوية
في تلك الفترة التي عاشها لوركا .
ففي القصيدة أعلاه يصور الشاعر البيئة التي يعيش فيها حقولا لعذاب و تعذيب رهيبة ،
ولا يصل منها الأسماع، رغم انه قد أوصد نافذة القمر، سوى صراخ الآلام والأنين عبر الأسوار الرمادية والسوداء للمدينة .
أي لا يمكنه تجنب السماع فتلك الأصوات من الشدة بمكان بحيث باتت تخترق الجدران العصية على الاختراق .
و لعل الملائكة رمز الشعراء المنشدين
أو مطربين يصدحون، فلوركا لا ينكر
وجودهم ، و ربما هم عادة أفراد يطربون الطغاة و يكيلون لهم ما يمكنهم من المديح
لآثامهم و يطربونهم و يرقصون على أشلاء مواطنيهم إرضاء لهم .
ثمة أناس على تلك الشاكلة كان لهم وجود أيضا في موطن لوركا . فالكلاب النباحة أيضا قليلة العدد و قد
نست النباح لان الصراخ والأنين قد طغيا عليه . فالنباح و العواء يرمزان لوجود حياة
ما في القفر المتصور في تلك الديار .
يقول الشاعر انه يمكنني عزف و إنشاد ألف نغمة سعيدة و أستطيع أن أتحول
شاعرا للغزل و الأفراح لكن يا لقلة حيلتي فالأنين كلب ضخم الجثة أفقدَ عويله و
نباحه عودي رونقه و قد خيّم على هذه الديار . انه ملاك كبير أيضا يحمل رسالة الموت
و اليأس إلى هذه الأمة . و لعله بالعكس تماما فالشاعر يصور هنا الصراخ والأنين
بملاك لأنه يؤمن انهما يتحولان يوما إلى أصوات ثورة و رؤوس رماح تمزق العواصف
السوداء العابرة ، و ستتحول الصرخات
إلى أنشودة نصر للمظلومين .
هذه القصيدة تذكرني بقصائد أخرى منها تائية الشاعر المعارض من العصر
العباسي دعبل الخز اعي و الذي يسمع صرخات المظلومين .أنينهم في مجتمعه المحكوم باستبداد العباسيين وكم
يتألم لمأساتهم، فيصورها في قصيدته
الرائعة -:
تجاوبن بالأرنان والزفرات
نوائح عجم اللفظ و النقطات
ألم تر للأيام ما جر جورها
على الناس من نقص وطول شتات
مدارس آيات خلت من تلاوة
ومنزل وحي مقفر العرصات
وما الناس إلا غاصب و
مكذب
و مضطغن ذو احنة و ترات
و خزعل الدعابي لاقى في
حياته كثيرا من الاضطهاد والمطاردة وكان يردد قوله دائما"
حملت خشبتي على كتفي ثلاثين سنة لا أجد من يصلبني عليها" هكذا يتبين لنا أن
دعبل مثله مثل لوركا لا يسمع سوى الصراخ و الأنين الأليمين بحيث يحولان دون سماعه
نشدان العندليب و شدوه و إيقاعات قدوم الربيع وان الظلم و الاستبداد قد ملآ الأرض ظلاما
دامسا . فهذان الشاعران يفصل بينهما ما يقرب من 12 قرنا ولكنهما متوائمان في
احتجاجهما ضد الظلم و الطغيان كأنهما قد نسقا معا أو انهما الصوت والصدى و ما اقرب ترجمتيهما للحادثة التاريخية
لزمانيهما إلى حادثه شعرية .
و لكنهما ذكراني بقصيده لنزار قباني وهي اقرب إلى تقرير سياسي منه إلى
شعر حين يقول :
وخريطة الوطن الكبير فضيحة
فحواجز .. و مخافر.. وكلاب
و العالم العربي .. إما نعجة
مذبوحة .. أو حاكم قصاب
ولكن شاعرتا المرحوم قد
غالط نفسه حين كان مقبولا عند الحكام القصابين و مدح أكثرهم دموية أي طاغية العراق
– المقبور لاحقا- حين تمني أن يعود طفلا رضيعا فيفتديه بروحه لكي يعيش
الطاغية أطول ما يمكن أو يبقي أبدا
!!!كما هناك بعض كرسوا جل عمرهم يتصنعون الهروب من مستبد ليعيشوا في أحضان مستبدين آخرين ، و لا
ينفك ينسجون أساطير حول تاريخهم و
ماضيهم غير المشرف والتي ما عادت
تنطلي حتى على طفل, و إنهم
بأكاذيبهم ونفاقهم و شعريتهم و ملكتهم الوضيعتين و حتى التعاون و التآمر الجبان في
الخفاء مع الطغاة ، قد قدموا أكبر خدمة لجلادي شعبهم وجعلوا من أنفسهم شركاء في
الجرائم التي ارتكبت بحق الأبرياء ،
و مظفر النواب مثال فاقع لهذه النماذج ولكن هيهات أن يخدعونا بدجلهم
!
فمأساتنا أن عروش الطغاة قائمة
في قلوب البعض وما اصدق جبران فيما قاله !
فاستشهادي بشعر لوركا
ومقارنته بقصيدة دعبل يحمل مغزى آخر أيضا ألا و هو أن قصائد الأول مشحونة
بروح التصوف الشرقي و الرقة الشعرية
العربية ، فديوانه" تاماريت" الصادر 1936 تموج فيه أجواء عربية إسلامية و صوفية شرقية صريحة .. وربما الكثيرون قد
شاهدوا صورة للوركا بالزي العربي ..
وكم تشبه قصائده في وصف الحقول والبساتين قصائد شاعر الوصف الشهير ابن
المعتز والى حد ما بعض الشعراء الكرد
الكلاسيكيين مثل "وفائي" .
أتلمس في قصيده لوركا أعلاه حين يشف الأنين خلال الأشياء شيئا من السريالية حيث أن الخيال المتسامي
تيار نهر دافق في شعره فحتى قصائده
السياسية الهادفة ينشدها في سريالية رائعة دون أن ينجر إلى تقريرية و مباشرة تخدش
جمالها .
مالمو/ السويد
الشاعرة السويدية كارين بويةKARIN BOYE
كانت لها صورة عن الإرهاب في زماننا
تتناول كارين بويه في شعرها المسائل اليومية البسيطة ، من قبيل كيف يعيش الإنسان و كيف يجب أن تُعَاشَ الحياة . فشعرها تعبير عن ألم و معاناة الإنسان من النقصان و اللاكمال ، و تطلعه إلى الكمال . "نعم، بالطّبع ، إنه أليم" ، تقول في أحدى قصائدها الشهيرة. فعلاً ، من المؤلم أنه لا يمكن لكائن ما أن يصبح ما يبغي أن
يكون . إنه ألم النقصان الذي ،
انبثقت منه قصائدها و خرجت إلى
الحياة. أغلب قصائدها هي في الغزل ، و قوة الإلهام فيها أقوى من الكلمات التي
تصورها . و القصائد الأخرى كتبتها بنفس الإسلوب و تتميز بشفافية ، تعبر فيها عن
رؤيتها عن الكون والحياة . "
الإبتلاء بالنّقاء " صيغة
لتصوير سعيها المتواصل لفهم اللغز
المؤلم لتناقضات الحياة.
فليس هناك نقاء أو خلوص في الحياة . لكن قد يتواجد النقاء في الفنّ
، و في الشّعر حيث " أرادت رسم ملعقة خشبية ، بطريقة تعطي للناس فكرة عن
الإله". إنّ تلقي شعر كارين بويه
يلزمه ادراك ثنوية الحلم و الواقع . فكلمات قصائدها في غاية الخفة و
الجمال ، و قصائدها تتراقص مع الموسيقى الداخلية فيها . لكنّ خلف هذه الكلمات الجميلة و هذه
الموسيقى، يشعر القارئ بقلقها و تشتت
روحها . فالحياة ما كانت قط لتعاش
هكذا . فالواقع يهرب من أحلامنا مارا في دروب منخفضة ، بعيدا عن السّحب التي خلقتها في قصائدها الأولى . فهذه المفارقة هي التي وهبت لشعرها الحياة الأبديّة . وحين نقرأ
قصائدها اليوم ، نتعرّف على ذواتنا ا خلال الخير و الشر . كارين بويه تحضر دوما في حياتنا عبر رؤاها في الجميل و القبيح ، فالثنوية في حياتنا
تجعل من هذه الشاعرة تحيا برفقتنا
دوما.
ففي قصيدة
لها مشهورة ، تقول :
اليوم المجيد ليس الأعظم
أبدًا .
فأفضل يوم هو يوم عطش .
إن في رحلتنا لمعنى و
نيات،
لكن الطّريق هو ما يحمل المجد .
خير هدف هو راحةُ طوال مساء،
حيث تُشْعَل النّار و يقطّع الخبز
بسرعة .
وفي أمكنة حيث ينام المرء لمرّة واحدة،
يصبح النّوم آمنًا و الحلم مفعما
بالأغاني .
هلموا ، هلموا ! يبزغ اليوم الجديد .
و مغامرتنا العظيمة تدوم
أبدا .
« ها قد يبزغ اليوم الجديد»
كانت رسالة كارين بوية (1900-1941) التفاؤلية والتي قدمتها في قصيدتها
المعروفة "في الحركة" المطبوعة عام 1927حين تخلت عن عقيدتها المسيحية و شرعت تكتب
مقالات تضمنها آراءها وتناقش قضايا مختلفة في مجلة « كلارتيه » الاشتراكية. و كرست
جل اهتمامها لنصرة قضية المرأة ، مهاجمة ما أطلقت عليه " ثقافة النفاق البرجوازية"
فكتبت قصائدها وترجمت الكثير من شعر الحداثة الأجنبي إلى السويدية . كانت كارين بويه تناضل بلا هوادة لتغيير المجتمع و حياة
الإنسان نحو الأفضل و في سبيل
المساواة بين الرجل والمرأة في علاقات مساواة وحرية ، مما كان عملها في هذا الميدان، و في تلك الظروف تنطوي على مخاطر جسيمة
.
ولكن بعد ثلاثين عاما من كتابة قصيدتها التفاؤلية « في الحركة» صدرت
قصتها ( كالوكايين .. رواية من الألفية الثالثة ) و التي قد كتبتها كما تقول " تحت
تأثير غثيانات باطنية " و مذ ذاك
تحولت كليا عن الإيمان بالتفاؤل بالمستقبل ، إذ تعتبر «كالوكايين» إحدى الروايات
السويدية الأكثر سوداوية ، و رؤية مرعبة لمجتمع المستقبل .
تجري أحداث الرواية في « دولة العالم » حيث سكانها الذين يطلق عليهم
"العساكر" تلزمهم تراخيص خاصة صادرة عن العالم العلوي لكي يغادروا إليه من عالمهم السفلي بكل ما يحويه من
منازلهم ومحلات أعمالهم ، فالدولة تتحكم بكل ما يقوم به المواطن أو يتفوه به بواسطة
عيون وآذان البوليس . كما تتم تربية الأطفال في دور حضانة لتخريجهم عساكر مطيعين .
الشخصية الرئيسية في الرواية هي« ليو كال » الكيماوي الناجح في المدينة
الكيماوية رقم 4 وقد اكتشف عقار الحقيقة "كالوكايين " الذي تستخدمه الدولة للاطلاع
على ومعرفة ما يجول في خاطر المواطن والتحكم فيه. ويبقى ليو كال لفترة مقتنعا بعمله و
اكتشافه الجديد ومدافعا عنه . فكيف للأفكار والمشاعر أن تكون قضية الفرد ؟ فما دام
العساكر يتبعون الدولة فمشاعرهم يجب أن تتبعها أيضا و قد أصبحت الدولة بفضل الاكتشاف الجديد تمتلك
الوسيلة لذلك .
تمر شخصية ليوكال بعد عمله في الكالوكايين بتغيرات خطيرة، فبعد أن يتم
إجراء التجربة علي الكثيرين لا ينفكون يحلمون أحلام ممنوعة ، من قبيل انهم ينعمون
بحياة هنيئة في مدينة سحرية في
البرية، حيث الناس يعيشون حياتهم في محبة و صدق دون إكراه على شئ . «فمنّا
الحياة واليكم الموت » يقول أحد
الذين أجريت عليه التجربة بعقار الكالوكايين وهو عضو في حركة مقاومة سرية . فبعدئذ
يدب الشك في ليو و يقلقه الأمر اكثر حين يعلم انه حتى زوجته تحمل كراهية لدولة
العالم و تنشد عالما آخر .
« ربما يقوم عالم جديد من أمهات – سواء كانوا رجالا أو نساء ، سواء كان
لهم أولاد أم لا . لكنهم أينهم ؟! »
كتبت كارين بويه كالوكايين عام 1940 العام الذي احتلت القوات النازية
الدانمارك والنرويج آخذة في الحسبان و التفكير النازية و الفاشية ، حين قامت بتصوير
الإرهاب في دولة العالم .
كان كالوكايين النتاج الأخير لكارين بويه قبل أن تنتحر عام 1941.
ومن شعرها:
نعم، أنه أليم آن تتفتق
البراعم ،
و إلا لماذاَ يتوجس الربيع
،
و شوقنا الحارق سجين النظرات المريرة
الجامدة؟
فالبرعم طوال الشتاء هي
الملاءة ،
فما هذا الجديد الذي يستهلك
ويتفجّر؟
نعم ، أنه أليم آن تتفتق
البراعم..
ألم للذي ينمو.. و ألم للذي يترعرع .
وكم أليم حين تسقط القطرات ؛
ترتعش من الخوف ؛ تتدلى ثقيلة
تتشبث بالأغصان ، تنتفخ و
تتلاشى.
كيفما كانت متسلقة فالثقل يهوي بها.
صعب أن تتردد خائفا ممزقا
وان تشعر بالبرد العميق و رجفة العظام ،
وأن تجلس فقط مرتعشا .
ومن العسير أن تختار البقاء والسقوط ،
ففي أسوأ الحالات ؛ وحين لا
يشفع أي شئ ، تنفجر البراعم نشوانة .
وإذ ليس ثمة خوف أو خشية ؛
تسقط القطرات من أشواكها منيرة ؛
ناسية أنها كانت مرعوبة من الجديد الآتي
،
ناسية عذاب رحلتها ،
إنها تشعر بابتهاجها الهائل
لحظة تكون في الهناء الذي يخلق
العالم .
21/2/01
مالمو
–السويد
" بؤساء" "هوغو" و بؤس الثقافة العراقية
حميد
كشكولي
لا أتذكر أين قرأت أن عميد الأدب العربي الخالد طه حسين قد قال لأحد
اليساريين المصريين المصريين بأنه لا يكره اليساريين ، بل يتساءل هل استطاعوا إبداع
عمل عظيم بعظمة رواية " البؤساء" للكاتب العظيم فيكتور هوغو؟!
و الجواب بالتأكيد هو
بالنفي المطلق بل بالنفي القاتل ،
لكن أحد الكتاب العراقيين طلع علينا في جريدة
" المؤتمر" المنقطعة عن الصدور – لا أدري إن كانت ستعاود الصدور- مهاجما
بشدة الأوساط الثقافية العربية لعدم احتفائهم بالجواهري بما يوازي المستوى الذي يحتفي به الأوروبيون بكاتبهم
"فيكتور هوغو" . لكني لم أر في عتاب و شكوى الكاتب سوى التجني على الحق و الحقيقة ،
لأن المثقفين العرب أعطوا الشاعر الجواهري أكثر مما يستحق ، أولا ، و ثانيا أنه
شتان بين هوغو و الجواهري ، فالأول تناول العالم السفلي و صّور معاناة المظلومين
بأروع الصور و أن أدبه إلى جانب أدب
أدباء القمم العالمي الأخرين
ساهم بشكل كبير في تغيير مفاهيمنا حول الانسان و العالم ، بينما ظل الأخير و
عيونه شاخصة إلى العالم العلوي ، عالم المتسلطين و ذوي النفوذ و الطغيان ، لتتفتق
قريحته عن مدائحية تموت بموت الممدوح أو بعد القائها عليه ، غير مصدق أنه عظيم إلى
ذاك الحد.
إني لا اريد هنا التعريف بهوغو ، فإنه غني عن التعريف ، لكنّي أحبّ أن
أكتب شيئا عن شامخته " البؤساء" التي تجول في جوانحنا رغم مرور أكثر من 14 عقدا من
السنين على كتابتها ، و تحضر في حياتنا روايةّ و مسرحيةّ و اوبريت و ملاحم وأفلام.
فرواية " البؤساء" للخالد "فيكتور هوغو" إنما هي حكاية طفل ضائع يرعاه رجل جان ٍ- بحكم ما كان يسمى بالقانون- يلاحقه رجال الأمن . إنها رواية تحكي قصة الفقر والمعاناة و
انعدام المشاعر الإنسانية. هذه
الرواية لا تزال خالدة وتروي حتى
اليوم معاناة المظلومين والمضطهدين و الأطفال المنسيين والمتشردين و المنبوذين في
العالم و لم تفقد قدراتها الهائلة في شحذ
أفكارنا عن التطورات والتحولات الاجتماعية.
لقد تناول العديد من الكتاب عظمة باريس و جمالها ، لكن فكتور هوغو تناول
عالمها السفلي عالم " طفل المجتمع
البائس" . ففي عالم باريس السفلي يستعد بطل رواية " البؤساء" للحرب بين الخير والشر
في داخل نفسه. تجري أحداث الرواية في فرنسا المضطربة عام 1800 بعد عقود من ثورتها.
يشهد هوغو كيف بلور العنف المجتمع و خلق شرائح إجتماعية سفلى ، و رأى أنه بعد كل معركة
إجتماعية كانت فرنسا تقترب خطوات صوب الديمقراطية. و"
البؤساء" تعد نوعا آخر من الثورة، قام بها هوغو للتنقيب عن روح مشاعر التضامن مع
المسحوقين و المظلومين.
بطل الرواية " جان فالجون" يحاول يائسا إعالة أطفال شقيقته ، فيلقى
القبض عليه من قبل السلطات ويحكم عليه بالسجن لخمس سنوات و لا يرى مبررا لتبرير " جريمته" بسرقة
رغيف خبز ، فتحطم المرارة طبيعة الخير فيه ويحاول مرات عديدة الهروب و يلقى عليه
القبض في كل مرة و يمدد مدى محكوميته. فلم يعد "جان فالجون" معروفا باسمه الحقيقي
بل بالسجين رقم 24601.
كتب هوغو رواية " البؤساء" في منفاه السياسي في جزيرة غيرنيسي في القنال
الإنكليزي. طبعت 1862 و دوت أصداؤها بين جماهير فرنسا. بيعت في بداية
الأمر على شكل أجزاء ، و كان كل جزء الأكثر مبيعا من بين الكتب في فرنسا. هذه الرواية ملحمة عظيمة و خالدة عن آلام
الإنسان و معاناته من البؤس والظلم و الجور
في الماضي و الحاضر وربما المستقبل . نشاهد في الرواية كاريكاتور "جان فان
جون" – السجين السابق ، والأسقف "ميريل"
و "جافير" مفتش الشرطة الذي ينتحر غرقا في النهر ، بعد أن لا يطيق أن يرى جان فان جان يعفو
عنه بعد المقدرة و كما نلتقي في الرواية ايضا "ثينارديير" المجرم العادي ، و"فانتاين"
المومس و ابنتها طكوسِت" و الثوري
الشاب "ماريوس" و الطفل المتشرد اللعوب "جاف روش".
بعد 9 سنوات والتي لم يذرف طوال ذلك العمر الضائع دمعة واحدة يطلق سراح "جان فان جون" وقد أصبح الرجل الخطير و
يحمل الجواز الأصفر و عليه أن يسجل
يوميا الحضورعند السلطات ،
فلا يقبل به أي صاحب عمل و لا يعطى له أي مسكن ليقيم فيه حتى يضطر إلى الذهاب إلى الأسقف "ميريل" الذي يرحب به و
يناديه بالأخ ، لكن اللطف و الصداقة غريبان عن جان و يفكر كمجرم و لا يفهم أن يكون
ثمة أناس يحترمونه ، فيفكر بالقيام بأعمال بائسة مثل سرقة فضة الكنيسة ، فيلقى عليه
القبض و كان سيكون السجن مصيره طول
بقية حياته لولا رأفة الأسقف ، إذ
يذهب بنفسه إلى مركز الاعتقال حاملا عددا آخر من الشمعدانات و ينادي عليه أخي فال جان لقد نسيت
الشمعدانات ، تفضل خذها. لكن تصور
اللطف والرحمة من الآخرين على سجين سابق ، إنما غريب وشاذ على جان ، فيرفض أخذ هدية الأسقف الذي يعطيها إياه
مقابل روحه . إنه ضحية محطمة جرده
الفقر والبؤس من صفاته الإنسانية.
سرقة رغيف تؤدي به إلى السجن المطول ، و السجن يخلق منه شريرا رغم طبيعته
الإنسانية . يطبق هوغو هنا تعاليم
المسيح على أرض الواقع بأنّ من
يعفو عن مجرم إنما يصلح بهذا العمل نفسه .
يضطر فال جون أن يغير اسمه إلى مسيو مادلين حين يقوم بتشغيل مصنع فلا أحد يشك بأنه
السجين السابق.
لم يكن
جان فال جون مثقفا لكن قوته
كانت تكمن في أخلاقه
فالقوة الأخلاقية أقوى من العقل والإدراك.
كان هوغو نفسه أيضا مضطهدا
، وقد قضى 20 عاما في منفى في القنال الإنكليزي بعد انتقاده لويس نابليون
عام 1851. وهناك بغتة تحول إلى مفكر سياسي أيضا ، إذ كانت حكومة فرنسا غير شرعية و تقف
إلى جانب الشر بينما كان هوغو إلى جانب الخير دوما و ظهير المسحوقين . كانت الفترة
الأولى من منفاه مفعمة بالنشاط والحيوية و الإنتاج الغزير ، و توحدت فيه روح السياسة والإبداع
الأدبي . فرواية " البؤساء" التي يتجاوز عدد صفحاتها الألف من القطع الكبير استغرقت
كتابتها 15 عاما. إنها ملحمة تتضمن
التاريخ و السياسة و الاجتماع.
و الموضوع الذي طالما أقلقه كان الفقر بين النساء وكيف كان يفتك بهن.
"فونتين" امرأة شابة حسناء يسيطر عليها رجل قاس لا ضمير له ، إنها محطَّمة ، بائسة و حامل. تغادر فونتين باريس مع
ابنتها كوست للعمل في مصنع مسيو مادلين..
وإنها تخشى أن يرفضوها كونها أما غير متزوجة ، وتبعث فونتين ابنتها كوست إلى منزل و ترجو صاحب البيت وزوجته برعايتها مقابل المال التي تبعث به
إليهما.
" البؤساء" حلم هوغو
الطوباوي و مشاهد عميقة لمعاناة الإنسان ، سواء فيما مضى أو في الحاضر.
مشاهد " البؤساء" حية أمامنا حتى اليوم ، البؤساء هم أنفسهم مع تغيرات في
الأشكال فقط . هذه الرواية ليست هجوما على أصحاب المال و الثروة ، بل صرخة بوجه المجتمع القاسي ، و تشريح الظلم والعنف في الوعي الجمعي .
و يتلمس المرء عبر الرواية إيمان هوغو بقدرات الإنسان الروحية للتغيير رغم طغيان الشر و رغم اعتقاده
ربما بأن الكفاح ضد الفقر و الظلم الاجتماعي سيطول .
فطالما يفتك بنا الجهل والبؤس , يظل هذا الكتاب ومطالعته من ضرورات
الكفاح.
عاد هوغو إلى باريس عام 1870 مات بعد 15 عاما عن عمر يناهز الثالثة
والثمانين ، و شارك في تشييعه أكثر
من مليون إلى مثواه الأخير بين عظماء فرنسا.
و لكن شاعرنا " الجواهري" ترك لنا كما كبيرا من الشعر المدائحي في زمن
غريب عن مثل هذا النوع من الشعر ، و
أتساءل ما هو جدوى الاحتفاظ
بكل هذا الشعر المدائحي الذي لا يهم غير الممدوحين ولم يستفد منه غير الشعراء
المنافقين. وأننا لن نخسر كثيرا إذا أحلناه إلى المتاحف ليذهب إليه الكاتب الذي
عاتب الناس على عدم رفعهم شاعره
الأثير إلى مستوى هوغو ، ويستمتع به
هناك وحده.
لستمتع صاحبنا بقصائده التي يمجد فيها الدم ، و يحرض على القتل و السحل
:
و ضيق الحبل و اشدد من خناقهم
ربما يكون في إرخائه ضرر
، لينتشي بمديحه للمجرم والد المجرمة هدى عماش
...
فإن الأدب الجاف والشعر الخالي من الروح لا يمكن إعادته للحياة ،لأنه
ولد أصلا ميتا و كان يجب دفنه في عصره ،
فإن قصر أهل ذلك العصر في دفن موتاهم تاركين إبداعهم المزعوم لحكم الزمن
، فلا حجة عندنا نقدمها على عدم
المشاركة في دفنه فورا طالما أن الزمن وهو اكبر النقاد ، و أن أعظمهم أعطى حكمه في حق ذلك الغثاء وقال
صراحة ، وبما لا يقبل الدحض << فالج لا تعالج>> .
سحر الشعر
حميد كشكولي
قرأت الكثير عن الشعر و
سمعت ، و الكل يعرّفون الشعر بما
يشعرون ، ورغم أنه يصعب عليّ
أن أ ضع تعريفا حاسما للشعر ، لكن
يمكنني أن أعْرف ما هو اللاشعر.
فاللاشعر أن تقيس وزن الحجر و حجمه و تبيّن صفاته الفيزياوية والكيمياوية ، وتدّعي
أنك قد كتبت شعرا و ما هو بشعر ، و باختصار أنه كما قال الأقدمون إن اللاشعر أن
تفسر الماء بعد الجهد بالماء ، وما أكثر ضجيج اللا شعرية عندنا. وبعد أن عرفت اللاشعر , أصبح ميسورا لي أن أقترب من فهم الشعر ، فأن تستنطق الحجر
وتستشعره فهو شعر . و ما قرأت أبلغ
ما قالته الشاعرة الأمريكية أميلي ديكنسون (1830-1886) عن الشعر: " إن قرأت كتابا، و جعل جسدي باردا بحيث لا
يمكن لأية نار أن تدفئني , أعرف إذ
ذاك أنه شعر.و إذا شعرت فيزياويا كأن قمة رأسي قد انفصلت عنه , لعرفت انه
الشعر."
فلا شئ يناغم الروح ويستقر فيها مثلما يفعل الكلم الطيب الصادق ؛ سواء
ورد شعرا أو أداء أم لحنا و أم صورة . فالشعر لا يخترع مفردات جديدة , ولكنه يكتشف
مدلولات جديدة للمفردات الشائعة , كما يكتشف إمكانات مفتوحة على شتى الاحتمالات ..
فجبران خليل جيران كان رساما أيضا ؛ يعبر عن شعره بنفس الشدة سواء سواء بالريشة و الألوان أو بالكلمات
. و الشاعر من خلال توظيفه للمفردة ,
حيث يستخدمها في مواضيع معينة , وفي نفس السياق، يضيف لها دلالات جديدة لم تخطر على بال أحد من
قبل.
وفي العصر الحديث برزت مقولات في ميادين الفن ومنه الشعر ، أثارت ولا
تزال تثير جدلا كبيرا , منها الصورة الخارجية و الصورة الداخلية للشعر. ففي الأولى
يواجهنا الوزن و القافية و كل ما يتعلق بالشكل. و رغم أن القسم الخارجي أو المرئي
للشعر يتعلق بذات الشاعر , إلا أنه لا يمكنه تجاوز كل الصيغ السائدة في عصره نهائيا
حتى لو كان هذا الشاعر نازك الملائكة أو السياب أو كوران أو سواهما ممن حطموا القوالب القديمة.
إن ما عملته نازك الملائكة و السيّاب من تحديث في الشعر العربي لم يخرج
عن قواعد اللغة العربية و المقولات العروضية ، حيث أبقيتا على التفعيلات كوحدات
بناء و استخدمتاها نفسها مثلما هي مستخدمة في الشعر العربي عبر العصور بعد إجراء
تحولات في ترتيبها و توزيعا. ويمكن
القول إن الشعر في هذه المقولة يأتي بنماذج شائكة يتبعها البناء اللغوي
الأساسي في مجال اللفظ والمعنى و
النحو والصرف.
أما المقولة الأخرى أي الصورة الداخلية ؛ فيمكن وضعها على النقيض من
الأولى ؛ إذ تنزع إلى الإنزياح عن القواعد و الأسس المألوفة ، وأن الشاعر هنا ليس
بصدد وضع قواعد جديدة في اللغة ؛ بل يسعى إلى التعامل مع المفردات كرموز و مفاتيح
حيث تعمل خارج معانيها و مدلولاتها.
يجوز هنا أن نؤيد القائلين بأن المترجم و خاصة مترجم الشعر خائن, فالشعر
في حالة حركة و نشوء دائمة.
فالتجربة الفنية وخاصة الشعرية منها يستحيل أن تتطابق عند
شاعرين مهما كانا معاصرين و متفاهمين
في مسائل الوجود والكون والحياة أو تشابهت بيئتهما و وظروفهما وكانا ينتميان إلى
مدرسة شعرية واحدة , كل فنان يرى إلى العالم مثلما يريد و رؤاه
تتميز عن رؤية بقية العالم .
فإني أرى تشابها بين طرائق التجريب عند الفنان و المتصوف كلاهما يكدسان
حالات جوا نية مكثفة فيضفيان شخصيتهما وصبغتهما على عوالمهما و يبلورانها وفق أذواقهما و
بأدواتهما الخاصة , فيتجاوزان اللغة المألوفة سعيا وراء آفاق لغوية أوسع . الفنان
ينبهر أمام الوجود و كثر ما يؤدي انبهاره ذاك إلى الانبهار بالنفس – النرجسية
- <والذي سيطبع حياته بطابعه و يحركه
فنيا وشعريا. لذلك نرى الناس العاديين و
الذين وسيلتهم العقل فقط في
فهم الوجود نادرا ما يفهمون الشاعر،
فانه يبدو لهم غير مألوف بمظهر غير
رسمي وغير مصمم من قبل بيئته الرسمية
؛ حيث انه يرتدي أزياء من هندسة خياله .
يقول اوكتافيو باز :
الأسماك ضياء في قلب البحر المظلم
وعظامنا كذلك
برق في ظلام الجسد
آه! فالعالم كله ليل
والحياة فيه ضياء .
في المقطع الشعري
أعلاه ؛ يبني باز عالما من نسيج خياله وفق رؤيته الخاصة للكون والوجود.
وشاعر صيني يقول:
" أمس ؛ رأيتني فراشة ؛ والآن لا أدري إن كنت إنسانا لقي نفسه فراشة في الحلم ، أم فراشة رأى
نفسه إنسانا في حلم الآخرين "
تبدلات الحلم و الواقع ليست خاصة
بالفنانين بل بكل إنسان ؛ لكن الفنانين هم يعترفون بطرفي المسألة ولا يضحون بأحدهما
على مذبح الآخر .
فالشعراء كثر ما يتناولون الحلم بحيث لا يكون
أمام مخا طبيهم (جمهورهم) سوى القبول برؤاهم و في الكثير من الأحيان تهتز الأرض من
تحتهم من اثر تصوير الشعراء لواقعهم كسراب ؛ فلولا الالقاءات الرؤيوية للشعراء لكان العالم بشكل آخر؛ إذ لم تكن
الوردة جميلة مثلما نتصور ولما كانت لكلمة "الحب" ذلك السحر والجلال
فالفن يتميز بطابعه الفرداني الخاص يسبغه الفنان على بيئته ؛ هو عبارة
عن هويته الشخصية. و الطابع الفرداني
يتجلى بوضوح تام في الشعر و الذي
يعبر عن تضاد بين الصور الذهنية و وسائل التعبير, رغم أن الشاعر يتخذ اللغة
وسيلة اتصال و مخاطبة المتلقي أو الجمهور . فالاستيعاب السليم للفن وخاصة الشعر يستلزم إدراك ماهية
التعبير و أدواته. و الشاعر كذلك
يتأمل موضوعته من حيث المبدأ كمصوِّر ؛ و بعد إضفاء تداعياته الذاتية
عليها يحولها إلى ما يتميز عن المألوف و العادي. هكذا يحول الشاعر بتداعياته و ما يقوم به من هدم وبناء ؛ الفعل التاريخي
إلى فعل شعري . فهذه ليست حالة عابرة بل فعل وانفعال للنفس و الروح ، يعبرّان عن
معاناة جوانيّة وحياتية للشاعر الفرد ، و الذي يتميز بمنطقه الشعري عن أي شاعر آخر
. و هذا سر عدم إمكانية
استنساخ شاعر أو ترجمة شعره ترجمة مرضية ومقنعة.
hamidkashkol@yahoo.se
l
ماه شرف خان كردستاني
(مستورة)
لؤلؤة الشعر الكردي
1805 ـ 1847
حميد كشكولي
التاريخ
شهد القرن التاسع عشر في أردلان (كردستان الإيرانية)، وإمارة بابان
(كردستان العراق)، ازدهاراً ثقافياً ملحوظاً, فنشأتْ في "سنندج"، عاصمة
الأردلانيين، مدرسةٌ خاصة، لكتابة وتدوين التاريخ والأحداث, باشراف عدد من المؤلفين
القديرين، الذين نشطوا في مجالات العلم والأدب، آنذاك. وقد برزتْ أسماءُ لامعةٌ،
مثل: (نالي، سالم، كوردي، مولوي، خاناي قوبادي)، وعشرات غيرهم, تركوا بصماتٍ واضحةً
على الثقافة الكردية. كما برز صوتٌ نسائيٌّ في النصف الأول من ذاك القرن: "ماه شرف
خان كردستاني", والتي اشتهرت باسمها الأدبي "مستورة", وكما يبدو لنا فإنها تعدّ
المرأة الوحيدة، في تلك الفترة، في الشرق الأوسط، وربما الشرق كله، التي كتبت في
التاريخ، واشتهرت على الأغلب كشاعرة, برعت في قصائد الغزلِ والمراثيَ، على شكل
رباعيات، ومثنويات. كما كانت خطَّاطة بارعة.
يقول الكاتب "مرزا علي أكبر خان"، في كتابه
"حديقهء ناصريه"، إن ديوان مستورة، يتضمن20 ألف بيت بالفارسي والكردي. تم جمع وطبع
وإصدار قصائدها بالفارسية عام1926، من قبل مثقف كردي من عائلة ميسورة الحال، عرف
عنه رعاية العلم والعلماء في كردستان، هو "حاج شيخ يحيى معرفة"، تحت عنوان " ديوان
ماه شرف خانم كردستاني ـ مستوره".
وبعد عشرين عاما، أي في 1946، تم طبع كتاب "تاريخ أردلان"، من تأليفها أيضاً.و
خلال الاطلاع على كتاب "تاريخ أردلان"، نتعرف على تفاصيل واسعة عن سيرة حياة مستورة
وعائلتها. وقد ورد في "شرفنامه"، لـ "شرفخان البدليسي"، أن الأردلانيين كانواً
حكاماً في ديار بكر, ويرجع نسبهم، إلى جدهم الأكبر "بابا أردلان", الذي كان عاملاً
على شهرزور، زمن "جنكيز خان" المغولي. وهذه السلالة ظلت تحكم لمدة 600 عام، سواء في
كردستان إيران الحالية، أو مناطق أخرى, وقد توفي آخر أمرائهم "عباس خان سردار
رشيد"، قبل أعوام في طهران.
ولدتْ مستورة عام 1219هـ/1805ميلادية، في مدينة سنندج, عاصمة الإمارة
الأردلانية, في فترة حكم أمان الله خان، والد خسرو خان. وقد تقلصتْ مناطقُ نفوذ بني
أردلان في هذه الفترة كثيراً, بعد أن كانت تمتد إلى جميع أنحاء جنوب شرق كردستان.
وأقام أمان الله خان حكومة مركزية قوية، عبر قمع الميول الانفصالية للعشائر
الكردية، واخضاعها لسلطته, ويتبين من الوثائق التاريخية في تلك الفترة، أنه كان
يتمتع إلى حد كبير باستقلاليته في ممارسة سلطة الحكم، وقد لعبت هذه العائلة دوراً
كبيراً في بلورة الأحداث في العقد الأول من عمر شاعرتنا مستورة. تلقت مستورة علومها في " سنندج"، إذ كانت حاضرة
علمية في تلك الفترة, اجتمع فيها
العلماء والكتاب والشعراء والأطباء والفنانون ولعبت مدرسة " دار الإحسان" القائمة إلى يومنا هذا دورا عظيما في
تنوير المجتمع الكردي . وقد غدت
سنندج مركزَ حكم الأردلانيين في فترة حكم سليمان خان الأردلاني, إذ كانت من قبل قلعة حصينة تدعى " سنةدذ" . عمل
سليمان خان على بناء تلك المدينة في فترة قياسية, داعياً التجار والأعيان والعلماء
إلى الإقامة فيها، وتأهليها، فقاموا ببناء دور سكنية أنيقة، وقصور جميلة, بحيث
أصبحت مثلما هي عليه الآن معروفة بمدينة سنندج، أو"سنه" بالكردية, فتظل عاصمة
الأردلانيين لثلاثة قرون متتالية، كما تذكر مستورة أن عاصمة
الأردلانيين تعرضت مئات المرات إلى غزوات، وتحولت إلى ميدان لمعارك طاحنة، تسببت في
تدميرها تدميراً كاملاً، ليعيث
الغزاة فيها نهباً وتخريباً وقتل علماء وتجار وشعراء، ثم يعاد بناؤها من قبل
أبنائها في كل مرة يستتب فيها أمن و إستقرار. و بلغتْ سنندج أوجَ ازدهارها وتوسعها
في فترة حكم أمان الله خان الذي جعل منها صورة لأصفهان عاصمة القاجاريين, وكان لا
يبخل في الإغداق على أهل العلم و الأدب.
تنحدر مستورة من عائلة أرستقراطية ثرية، ذات نفوذ قوي، تشكلت هذه من
عائلتين متنفذتين, فمن جهة الأم وزراء توارثوا المنصب، أما الأب فكان "قادرياً"،
ساند أقرباؤها من طرف الأم، أمراء بني أردلان بفعالية. وحسب ماورد في كتاب "تاريخ
أردلان"، فإن عائلة "قادري"، ظلت وفية وموالية للحكام الأردلانيين, وتبوأ أفرادُها
مناصبَ مرموقة في البلاط. كان جد مستورة - من طرف والدها-، محمد آغا، أحد وجهاء
البلاد الكبار, وكانتْ حياته الطويلة مليئة بالأحداث, وظلَّ لمدة نصف قرن في فترة
حكم أربعة أمراء أردلانيين, "ناصر" كردستان, أي المسؤول عن النظام والاستقرار في
البلاد. وتشير مستورة، أن جدها كدّس
ثروة كبيرة من المال "الحرام"، عبر المشاركة في المعارك التي خاضها الحكم القاجاري
ضد خانات الكرد في كرمنشاه, وإسماعيل خان، وجعفر خان، وغيرهم. وقد أعمتِ الأطماعُ
محمد آغا، بحيث قام، يحيك المؤامرات ضد الأمير أمان الله خان, الذي كشفه، فعاقبه
بتغريمه بدفع 5 آلاف تومان (يقدر بـ مليون دولار)، وعزله لأيام, لكنه لم يستطعْ
التخلي عنه, فأعاده إلى منصبه كناصر, لكن الأمير دبّر حلاً آخر للحد من أطماعه
ومؤامراته, وذلك بمصاهرته, فتوسعت
سلطاته أكثر من السابق, وكلّف بمهمات دبلوماسية وعسكرية خطيرة, إذ قام، مثلاً،
بالسفر إلى بلاط الشاه في طهران، وقام بقمع انتفاضة في " بانا". واستمر محمد خان في منصبه حتى أواخر أيام
أمان الله خان، ولسنة واحدة من ولاية خسرو خان، الذي سيتزوج مستورة. خلق محمد آغا
قلاقل للحاكم الجديد أيضاً, فقام باعتقال جميع أعضاء عائلة قادري, وعاقبهم هذه
المرة بثلاثين ألف تومان.
لاتذكر "مستورة"، في (تاريخها)، أن جدها وبعض أولاده قد قضوا نحبهم تحت
التعذيب في السجن, ويبدو أن ذلك، كان مؤلماً لمشاعرها، ولم ترد الإساءة لذكرى زوجها
الحبيب, إذ شرعت في كتابة " تاريخ أردلان"، بينما خسرو خان كان قد انتقل إلى جوار
ربه منذ حوالي عشر سنوات. كان أبو الحسن بك, والد مستورة، يكرس اهتماماً بالغاً
لتربية أولاده، وخاصة ابنته البكر "ماه شرف", والتي كانت موضع فخره وحبه البالغ،
وكثيراً ماكانت ترافقه في زياراته للمناطق الأثرية والعشائر، وكانت تصغي مستورة
لقصص وأساطير وسَّعت من آفاق خيالها. وقد كان أبو الحسن بك، هذا، مربياً لنجل أمان
الله خان, حسين قلي خان, والذي كان أيضاً ابن أخته، أي ابن خالة "مستورة". تروي
مستورة عن ظروف زواجها من خسروخان (ناكام)، بأنه أثناء الحرب الروسية الإيرانية,
قام بعض الآغاوات بالتعاون مع الروس،
والاتفاق مع شقيق الأمير المعزول من حاكمية منطقة "اسفندآباد" بمحاولة لعزل خسرو
خان – ناكام-, وقد تم افشال المؤامرة, وألقي القبض على المتآمرين، ومن ضمنهم والد
مستورة، إلى أن تأكد خسرو خان من براءة أبي الحسن بك، فأطلق سراحه وأكرمه, وقد عمل
خسرو خان، مثلما عمل والده مع جد مستورة, أي باستمالة أبي الحسن بك السياسي المحنك،
صاحب النفوذ والثروة إليه، بالزواج من ابنته ماه شرف عام1246هجرية/1826ميلادية،
وعمرها 27 أو 28عاماً, وقد أقيمت بمناسبة الزواج، حسبما جاء في كتاب "تاريخ
أردلان", أعراس واحتفالات مهيبة.
توفي الأمير خسرو خان في 2 ربيع الأول 1250/9
تموز 1835, إثر تورم الكبد, فخلفه ابنه البكر رضا قلي خان البالغ من العمر11عاماً,
لكن الحاكم الفعلي لسنوات سبع، كانت الوصية على العرش زوجة والدته القاجارية، ابنة
فتح علي شاه الشاعرة "حُسن جهان
خانم"، والتي تشرفت بلقب "والية خانم" . وقد استمرت مستورة بالعيش في رعاية العائلة
الحاكمة باحترام وتقدير، حتى عزل ابن زوجها عن الحكم، ولا تذكرهم بسوء في أية قصيدة
من قصائدها، أو كتابها "تاريخ أردلان" , لكنها تندب حالها وتشكو الزمان.
وبعد أن خيّب رضا قلي خان، الشاهَ في طهران، بعدم ارسال مقاتلين
لمساندته في اخماد حركة عصيان، قام بها حسن خان سالار, وقد رفض الوالي حتى تلبية طلب الشاه بارسال قوة رمزية، مؤلفة
من خمسة أكراد من فرسانه، لتلك
المهمة, مما أدى إلى أن يقرر الشاه التخلص من رضا خان، ودعم ومساندة "خسرو خان
الجورجي"، لاستلام الولاية، بالزحف على القصر، وازاحة العائلة الحاكمة. وتذكر
مستورة أن الأخير من أصل أرمني، عرف
بين الأكراد بالجورجي, ويبدو أنه كان قد اهتدى إلى الإسلام أو تظاهر بذلك. وقد
أُعتقل رضا قلي خان، من قبل الحاكم الجديد، وأودع السجن في طهران بأوامر من الشاه,
وتم إبعاد أفراد العائلة الأردلانية، ومن بينهم مستورة, وقدروا بألفي شخصٍ إلى
"مريوان"، ومن هناك عام 1263هـ، يلجؤون إلى إمارة بابان, وبذلك، زالت إمارة
كردية بفقدانها التدريجي لعناصر
استقلاليتها, إثر التناحر على السلطة والمال بين أفراد العائلة الحاكمة. وتصف
مستورة هذه الرحلة المؤلمة في قصيدة لها، بالقول: "لو حلّق النسرُ فوقنا, وحدق
فينا, لسقط كل ريش جسمه, ولو كان البدر ساطعاً في سمائنا، لهوى في أعماق
الأرض".
وعلى أرض بابان، توزع اللاجئون في قرى شهرزور، وأقامتْ مستورة في بيت
ابن خالتها حسين قلي خان، الذي كان قد وصل إلى السليمانية من قبل، للتشاور مع آل
بابان، لتدبير أمور سكنهم ومعيشتهم.
الشعر
الشعر هو الماضي الذي يندلع فجأة من قلوبنا
ريلكه
إن ابتغينا السعيَ، إلى تبيان بداية جغرافية للشعر الكردي, فهي لابد أن
تكون هناك في "هورامان"، الواقعة في المشرق الكردي, حيث تتوفر للقصيدة تربة تهبها
أسباب نموها وديمومتها الكامنة في الماء والهواء والضوء والتراب. فأقدم الشعر
الكردي من منظومات شعبية، وأناشيد دينية وصلنا من هذه البقعة، وباللهجة
الكورانية.
فلا يمكن للمرء، أن يماريَ في شعرية "هورامان"، وتخصيبها الإبداعي
للثقافة الكردية دوماً، وبالأخص قديمها, ويكفيها فضلاً ، أنها أنجبت كبار شعرائنا
من أمثال"مولوي"، و"بيساراني"، و"خاناي قوبادي"، وغيرهم, ولاتزال الأوزان الموسيقية
للغناء الشعبي تهبّ بأنسامها على الكرد لتلهم الكثير من الشعراء، وليدوّنوا قصائدهم
من وحي أنغامها, وفي مقدمتهم شاعر الروح الكردية عبد الله طؤران(1904- 1962). فماء
الشعر كان ولايزال، يتدفق عذباً من هضابها ووديانها المتفجرة, وروح الإبداع تسكن
رجالها ونساءها، على السواء, وأسئلة الموت والحياة تؤرق حياتهم، وتبعث فيهم حمى
القلق والبحث والترحال الباطني والوجودي. حقاً لقد كانت القصيدة المقروءة والمنشدة
والمغناة غذاءهم اليومي على اختلاف أشكالها ونبراتها, فتعطي الحياة نكهتها، والزمن
ديمومته.
كانت "مستورة" ـ سليلة هذه البقعة الجغرافية ـ, من أنضج الأصوات
النسائية، قبل قرنين من الزمن، وأكثرهن اكتنازاً بعطر الشعر الكردي الكلاسيكي
المكثف، الذي يضوع من الشرق الكردي شمالاً وجنوباً. تمتاح شعرها من بئر الشجن،
وافتقادها لحبيبها وشريك حياتها "خسرو خان الأردلاني"، والي "كردستان" الإيرانية،
والملقب بـ "ناكام"، أي المأسوف على شبابه بالفارسية، لوفاته المبكرة في الثلاثين
من عمره، إثر مرض تورم الكبد, وتستجلي مستورة في لفتات مدهشة تحولات الحياة في
مداراتها الكثيرة, مازجة بين الحلم والرؤيا، في متخيل رومانسي، مفعم بنفحات روحها
الهائمة.
يمكننا، اعتبار ديوانها، شهادة نصر للأنثى في خضم مجتمع بطريركي، لا صوت
يعلو فيه على صوت الرجل.
"مستورة" ـ منقطعة النظير
في زمانها ـ أنثوياً، نظماً ونثراً بالفارسية والكردية, تعتمد في تجاربها على
الرصيد الثقافي والروحي السائد في عصرها من شعر كردي وفارسي، وثقافة عربية إسلامية,
إذ تلقت علومها عن مشاهير علماء عصرها، كما يتبين من خلال سيرتها الواردة في كتاب
"مجمع الفصحاء" لمؤلفه رضا قلي خان هدايت، وكتاب "حديقهء ناصريه"، لابن عمها صادق
الملك، وفي كتابها "تاريخ أردلان", مما هيّأ لها ـ إضافة إلى نبوغها ـ أسباب
الشهرة, ومهّد لها الارتقاء إلى منزلة رفيعة, نالت بها حظوة كبيرة لدى العلماء
والشعراء, فأخذوا، يمدحونها، ويثنون على شعرها, ويصفون جليل قدرها وعظيم شأنها.
فالشاعر الكبير"مولوي"، يقول فيها في قصيدة: "شمس الحُسن والدلال, جالسة على عرش
ملكوت الطهر والعفة, تفيض دفئاً ونوراً على الجميع".
ولدت مستورة في عام1220هـ/1805ـ1806م، في منطقة "سنندج"، عاصمة إمارة
"أردلان". إذن، هي "سنندج" الزاهية،.. التربة الأولى التي احتضنت لها بذور التشكل
الشعري الأول الذي أسسته أصابع الماء الرقراق ونسائم الربيع من صخور صماء .. حيث
يتأسس المهد الأول الذي يساهم بفرح غامر في هدهدة طفلة القصيدة القابعة هناك .. في
المسافات اللامنظورة. فالشاعرة الصاعدة من تخوم الحلم .. ومن تويجات أزهار نبتت على
صخور أبيّة على ضفاف أنهار جبلية زرعت في تربة روحها ألحان ماء عذب مترقرق يصدح
بتغريد الإيقاع ليل نهار.
.. كانت ربوعها محاطة بالجبال العالية التي
تعتلي فوق الغيوم و تجري فيها نهيرات كأفاعي أليفة.. فالصوت الأول الذي سمعته
الطفلة" ماه شرف خانم الأردلاني" كان
صوت الجداول الرقراقة التي تضرب مجراها بالصخور.. فتبعث إليها رسالتها والتي كانت
عبارة عن شعرية غنائية للماء والأزهار والفراشات .. فإصغاؤها لأغنية الماء تلك خصّب
قريحتها الشعرية فنمت بحيوية بالغة.
إن موت حبيبها خسروخان ـ ناكام ـ عام1240هـ/1834- 1835م، جاء صدمة عنيفة
للشاعرة, لقد شعرت بأنها فقدت بموته أعز وأفضل صديق ومعلم, إذ كان هو أيضاً مثقفاً،
وينظم الشعر بالفارسية, وكان هذا من أقوى أسباب العشق والهيام بينهما، رغم أنها
كانت تكبره بحوالي عشرين سنة. تقلدت "مستورة" في عهد زوجها الأمير منصب وزيرة
"الأندرون", أي مسؤولية شؤون العائلة الحاكمة والبلاط والتشريفات, وكانت تحظى
وحدها، دون نساء البلاط الأخريات بمرافقة زوجها في الزيارات، وتفقد القلاع والآثار
التاريخية والرعية، والاستماع إلى حكاياتهم، وشؤون حياتهم، مما مكنها من جمع مادة
غنية، ساعدتها على تأليف كتابها التاريخي "تاريخ أردلان"، المصدر المهم لدراسة
التاريخ الكردي، في تلك الحقبة. وترد أسماء أماكن كثيرة في قصائد مستورة, أصبحت
اليوم أطلالاً بعضها شاخص وبعضها اندثر. وجدير ذكره القول أن التغيرات المناخية
الحالية ساهمت في اختلاف جغرافيا قصائد مستورة عن سنندج الحالية، فثمة مروج وأنهار
وعيون ماء، ذكرتها الشاعرة في قصائد لها، اختفت اليوم نهائياً، ولفها الجفاف والحر
والنسيان.
ثمة مناخ أثيري يغلف قصائد "مستورة" برمتها. فسواء كان موضوعها الطبيعة،
أوالرثاء، أوالهجاء, أو الحب، أو الموت، تبدو اللغة عندها شبيهة بما يرشح عن الزهرة
من ندى. لغتها تبدو ذكورية أو بالأحرى محايدة أو إنسانية تعبر بصدق عن مشاعرنا
ذكوراً كنا أم إناثا.
إنها تبني في قصائدها شفافية العلاقة بالعالم وأشيائه، ورهافة الإحساس
بالموجودات إلى الحد الذي يقارب الانمحاء أو التلاشي. يلمس القارئ أنها تقلل إلى
أقصى ما يمكن من التزويق اللفظي والحبكة، لتسمح لينبوع شعرها بالتدفق عفواً،
وبانسيابية متناغمة مع انسيابية الحياة نفسها. كما أن أشعارها لا تنقطع عن التاريخ
والأساطير, وهي تلجأ إلى قصص القرآن وتستعين بشخصيات الأساطير مثل يوسف ويونس
وقارون وغيرها في بناء قصائدها، حين تستدعي الحاجة إلى الأسطورة والتاريخ اللذين
كانا من الركائز الأساسية في أشعارها، لتصعيد خيالها وتلاشيها فيه.
قصائدها إصغاء متأتٍ من اندلاع الحياة, وخفوتها، أو إلى التقاط ما يمكن
التقاطه من ذلك المجرى الهادر للأعمار المتدفقة كالنهر، وهي لا تترك من منبعها إلى
المصب، سوى وميض متباعد أو لحظات سعادة محدودة.
في قصائد الرثاء لزوجها،
نلمح رغبة الشاعرة الملحة في التواري خلف جمال الكائنات، أوفي التحول إلى
هيولى، أو حلم، أو طبيعة صامتة.
ولعل قصائدها الغزلية، هي التعبير الأمثل عن مدى ما تختزن في داخلها من
رقة أنثوية وإنسانية، وتدفق في المشاعر والأحاسيس. العبارات نفسها تتقطع كاللهاث،
محدثة موجات متكررة من المناجاة والتأمل والمونولوج الداخلي.
فشعرها لصيق بحياتها، التصاق العشبة بالأرض، أو التصاق الجسد العاشق
بطعنة الغياب. لذلك ليس مستغرباً أن تخاطب شريك حياتها الفقيد بأبيات كهذه:
"وحدي وبعيون خسرو/ أتأمل الربيع/ أروي بدموعي الزهور/ وقدميّ المكسورتين/
ووجنات التهبت آهات/ يضحك لها الشامتون، وتتوجع الأشجار/ فحتى العشب في الصباح يبكي
لكثرة غيابك".
يُروى أن مستورة نظمت حوالي عشرين ألف بيت شعر, ضاع أكثره, ولم يبقَ منه
سوى ثلاثة آلاف بيت, بالفارسية؛ وباللهجتين الكرديتين السورانية والكورانية. وإن
كانت مستورة الشاعرة الوحيدة التي دونت قصائدها, وذلك بالتأكيد لموقعها الاجتماعي,
فلا يعني ذاك أنها كانت الشاعرة الوحيدة في زمانها. أتلمس الأثر الأنثوي في الكثير من أبيات التراث الكردي
الشفهية، وأن الإصغاء إلى نواح النساء في التعازي, وادراك طبيعة الشعر وفهم نفسية
ورقة الأنثى، يؤدي بنا إلى التأكد من
أنه كانت هناك شاعرات أخريات.
عاشت الشاعرة أرملة ثلاثة عشرة عاماً. توفيت إثر وباء في ديسمبر1847، في
السليمانية عاصمة البابانيين وقتئذ, ودفنت في مقبرة "كردي سةيوان"، الشهيرة إلى
جانب مشاهير أكراد، ولم تخلف أي ولد. كتبت في خاتمة " تاريخ أردلان": "منذ بضعة
أيام، تنتابني حمى، وأعاني من آلام شديدة, وقد تركتُ أمري لله، الذي لا يحمد على
مكروه سواه". وتؤرخ مستورة في كتابها ذاك لبني أردلان وأمرائهم منذ جدهم الأكبر
بابا أردلان الذي كان عاملاً على شهرزور أيام جنكيز خان، حتى زوال الولاية أو
الإمارة التي كانت عاصمتها سنندج، وحتى سقوطها فريسة المرض الذي أدى إلى وفاتها في
السليمانية .
تقول في إحدى قصائدها ويبدو أنها كتبتها بعد
وفاة خسرو, وهي خارج الحكم والولاية:
"أنا ملكة في مملكة
العفّة,
ليس لي شبيه في جماعة النسّاك في هذا الزمن,
رأسي جدير بتاج,
يا لعبث أوهامي, فالقدر المتقلب أخزاني,
وحط من قدري,
فلا حاجب مطيع يقف الآن عند عتبة ولايتي".
انتقلت مستورة مع أهلها إلى السليمانية، بعد عزل الأردلانيين من إمارة
أردلان عام 1263هـ/1834م، بعد انقلاب بمساعدة ودعم الشاه محمد القاجاري, وفي إحدى
رباعياتها، تدعو مستورة الله، أن يحرم القاجاريين من نعمة التمتع بجمال الربيع،
وشذا الزهور، مثلما غدروا بهم.
الشاعر "نالي"، الذي عاصر مستورة، وكان يتلقى لفترة ما علومه في " دار الإحسان" حيث كانت مستورة
أيضا تتلقى علومها فيها وتلتقي نالي و طلابا آخرين , وكانت بينهما صلات الأدب
والثقافة, كتب قصيدة استحلامية
اروتيكية رائعة في مستورة, تقول
بدايتها: "مستورة الحسناء، والأديبة جاءتني الليلة في حلمي, مفعمة بالدلال,
معاتبة إياي..", و يبدو أن
شاعرتنا انزعجت كثيراً من نالي، فردت عليه، بقصيدة هجائية، تشتمه فيها بكلمات، مثل
"داعر", وتشبهه بـ "امرأة فاحشة،
وسليطة اللسان"، وأن سلوكه المشين لا يليق بشاعر, وتريد منه أن يكون شجاعاً وفارساً
في الميدان, بينما هي لها الله
وشفيعتها فاطمة الزهراء. إن قصيدة نالي جديرة بدراسة معمقة, إذ يذكر البعض أنه
قالها للتشهير بالشاعرة إثر خلافات عشائرية, وإني لأرى هذا الرأي ساذجاً إلى حد
كبير. وقصيدة نالي مثيرة للجدل والنقاش في يومنا, وقد كتب الأستاذ ريبوار سيويلي
دراسة تحليلية عن القصيدة من الجانب الجمالي, بغض النظر عما يقصد نالي مستورة التي
نحن بصددها، أم أخرى في خياله.
كتبت مستورة أغلب قصائدها على الوزن الشعبي السلس، والقريب من بحر
الهزج: (الصدر: 5 مقاطع لفظية + 5 مقاطع لفظية، العجز: 5 مقاطع لفظية + 5 مقاطع
لفظية)، كما أنها كتبت بعض القصائد على وزن الرجز (مستفعلن مستفعلن مستفعلُ). وهذا
يدل على أن الشاعرة كانت على إلمام ببحور الشعر العربي .
بالإضافة إلى ديوانها الشعري، وكتاب "تاريخ أردلان"، ألّفت مستورة، كتاب
"عقائد وشرعيات"، بالفارسية, عن أصول الدين والشرع الإسلامي والعبادات. وهناك
مثقفون لايكلون في مساعيهم للعثور على ما فقد من آثار الشاعرة من قصائدها الكردية
خاصة.
يا مَنْ يسطع اسمُه في الدواوين,
وتزين صورتُه العناوين,
أنا وحدي مفتونة بعينيك السوداوين الثملتين,
نرجستي الفتنة لقلوب أنهكها الهيام.
ملأتْ أصداءُ بهائكَ الدنيا,
قبل أن يتلوّى أنيَنُ
شجني النزقُ كنواح الصبيان في الرياض.
لو كشفتَ لنا جمال صورتك يوماً,
لهوى الجميع، فقراء كانوا، أم أغنياء, على
تربة دربك.
عجز "ماني" عن رسمك,
فإنه رسام البشر , لا الملائكة ,
و أنت أسمى مما أقول,
قامتك سرو، ومحيّاك نبع الحُسن,
كيف لي ألاَّ أدعوك شمس
العشق, ولا أصفك بالبدر والورد،
وقمر بهائك يبزّ صورة شيرين وليلى .
تغزو بأهداب عينيك ممالك القلوب.
يئن العالم من اضطرابي،
تنهب فتنتكَ قوتي، تغرقني في شرابك الدموي،
فلو جاءتنا ريحُ الصبا بأنسام من أنفاسك لأخذتْ أنيني،
ولشمختْ قامتي كالسرو في بستان السرور.
فيا لحسرتي!
بقيتُ مستورة، ومشهورة مثل كنز قارون,
و كأنين الناي أنوح,
أنزُّ
كدورق النبيذ الدموع.
بنظرة من عينيك، نهبتَ قلوبنا،
أيّ ظلم هذا، إن لم تصن العهد أيها الوثن؟
لا أنوح من جورك, ففي دين الحب كذّاب من لا يطيق عذاب الجفاء
إن من لا يذيبه الهوى ليس بآدمي, بل مثال للصوان
لقد حيرتني وأذهلتني بوجهك وشعرك,
وحين ترفُّ عيناك أضيّع قدمي, أتيه في
دربي.
بالله عليك, هلاَّ رويتنا بشربة من ثغرك،
فحررتَ القلبَ من سجن غمازتك،
أقسم بوفائك
إني أشتري بالروح القبلَ من عقيق شفتيك, إن
بعتَ لمحة من صورتك.
البدر يكسب الضياء من طلعتك,
إياكِ يا"مستورة" أن تخطئي بين عبير ضفيرة الحبيب ورائحة مسك "خطا".
يا من ثغره يسيل شهداً،
وقامته تلوّح بصورة من فضة الشمس!
لا تحمّلنا بالله المزيد من الآلام,
ففي مملكة فؤادي المتيّم، تستبدُّ أناملك بنا,
تنسمتْ ريح الصبا من طرّتك , طاردتْ رائحة مسك "خطا",
"مستورة" ممتنة وراضية الآن,
فأنت جالس في أريكتها,
ولا تجرأ ريح الصبا من الهبوب علينا,
العاشق يسير في درب الآلام دوماً لئلا يفقد الحبيب,
لم تعد "مستورة" تعرف أطرافها لشدة الحيرة والذهول,
حذار! من آهات المظلومين أن يحرقواٍ الآفاق بشعلة,
تلك اليد لم يخضبها لون, بل جرحي الرعاف يغمسها في الحناء,
المعلم الجاهل لأصول الوفاء لم يعلّم سوى سبل الغدر والظلم,
فـ"مستورة" ما عادت تعرف أطرافها لشدة حيرتها وذهولها.
تضيء منازل قلبي من نور تجليك, هذه الليلة,
تبتهج الملائكة في وميض مائدتي, هذه الليلة,
قلبي أسير أشجان ترتوي من وجنتيك، وصورتك ومحيّاك,
تفي بوعودك للنرجس والزنبق مثل الحور, هذه الليلة,
خصلة من شعر رأسك تستحيل إكليلاً,
فالدنيا مليئة بالمسك والبخور, هذه الليلة,
مفعمة راحتي بالذهب المنثور احتفاء بك,
فشمسك تشرق على ربوع روحي, هذه الليلة.
سبحان الله,
ففي أشعة صورتك، ألمح خرائب قلبي تثير حسد
مضيق القرية,
هذه الليلة,
لحظة اقبالك، تناثرتِ الفضةُ والذهبُ بابتهاج ,
وتبركتُ بها, فقلبي يحضن الشمس, هذه الليلة,
صدقوني,
فأنا أذوب في راحتَي حبيبي, هذه الليلة,
إيهٍ, مستورة! ماذا تبغين أكثر,
لقد نلتِ الوصالَ,
فالحبيب في أحضانكِ, هذه الليلة.
ولكن، لِمَ ينتاب الروضَ الحسدُ الدامي من فستانكِ ,
هذه الليلة؟
أنا أسيرة لمحات عينيك الناعستين,
جريحة وخز الأهداب,
تكبلني خصلات شعر رأسك,
توقِع قلبي في سجن أخدود الوجنتين,
ها, قد قَدِم العشاق لأداء فروض العشق,
وأنا آتية، ليقدموني لكَ في مذبح الحب قرباناً,
ليس لي سوى الشكر لك والامتنان، إن متُّ بسيفك البتار,
وإن فصّلوا لي كفناً بشعاع خصلاتك المضطربة,
أنت المخير, أسامحك، عذراً من قتلي إن تفقدتَ ثراي،
وحشرتني في يوم الجمعة مع شهدائك,
فلاعذاب يوم الحشر لمن يحترق في نار هجرانك,
جعلت من تربة عتبة بيتك محرابي,
والشامتون يبغون موتاً دون وصالي,
فديتُ وعودك,
فإن أخبار وفائك قد طبقت الآفاق,
فأين غدتْ لي تجلّياتُ عهودك؟
لقد غدوتُ في ملكوت الهيام درّة يتيمة,
العشاق اليوم آتون لأداء فروض العشق عند عرش ملكوتك,
فهيا يا "مستورة"،
هبي إلى تقديم الشكر لملك الانصاف,
فقد فاض نور شمس محيّا الأمير على أيوان قصرك.
أتلك صورتك، أم البدر في صدر سمائي؟
أذاك قدك، أم السرو في بستاني؟
لايعتمر البدر طاقية,
إنها هالة وجهك تكتنف القمر,
ينخر الخجلُ السروَ، حين يرنو إلى قامتك,
والربيع يتوج رؤوساً بتيجان الحب,
ليغدو العشاق زهوراً في المروج والرياض,
كفى يا شيخي وصف الفراديس,
فرؤياي تغنيني عن جنانك,
ويا روحي! لأجلك لاأخشى على روحي,
فقلبي لوحة لتلقي نبال عينيك,
دعني أتمسح بثرى قدومك,
فما أسعد من يموت في هيامك,
فيا "مستورة"! ناوليني شفاه الحبيب,
لتنعمي بشهد الحياة وإكسير الخلود.
أنا ضريرة من كثرة غيابك, يا خسرو,
ها أتى الربيع، وقد توجتِ المروج بالورود والريحان,
ما أشد ألم هذا الوداع!
أما تسمع قبقبة الحجل في القمم,
وقد اتشحت المروج والرياض بأجمل أزياء,
تزقزق الجداول نشوانة في خريرها,
تغني العنادل أغاني الشجن,
وافترشت السهوب أزهاراً,
البلابل ثملة بخمر عشق الورد,
تضحك الأقاحي في البساتين نشوانة,
تحنو عيون النرجس الخمرية على الربيع,
تتمايل الأعشاب في رقصها مع النسيم, وتغوي القلوب,
لكنَّ غيابك غيّب الربيع, يا خسرو!
ما أضيع دنياي!
بعدك من يدلني,
من يخرجني من غياهب العذاب,
فدونكَ العمى والموت يا خسرو!
ماذا دهاك يا روحي الغالية!
نفتقد اليوم منك الرفق واللطف،
فما ذنبي يا نور عيني, قل لي!
ليس هذا بإنصاف منك, أن تجافيني دون بادرة شر مني،
هل الموت يكون الملتقى؟
تفور الدماء من عيوني متدفقة،
هلاّ أتيتني زائراً على حوافيَ هذا الحوض والينبوع ،
عرفتُ الآن لِمَ عيونك عسلية،
و شفاهك حمراء قاني،
نار حبك، هيّجتْ قلبي،
ينتابني الجنون،
أهيم في دنياي ،
أذاك أنين "مستورة" يزلزل الأرض تحت أقدام الناس،
أم أنه يوم الحشر,
و يتناهى إلى الأسماع صراخ المذنبين من العذاب الأليم؟
رداً على رسالة صديقة لها
كنتُ اليوم مريضة،
رسالتك نفختْ فيَّ الروح من جديد،
هجعت في نفحاتها،
همدت في نسيمها.
فقمت وركعت ساجدة لرسالتك،
داوت جراحي,
قسماً بالله وبالمقدسات وبالنجوم وبنور محمد وبروح ابني البدر،
إنها أشفتني من المرض,
فاضتْ علي أنوارُ السعادة،
ليس لي إلا أنوار كرمك،
أرد بها على نفحات نورك،
هنيئاً لك العز ياأعز الناس،
وأحلى من العسل.
القصائد: الأنين، دورق النبيذ، سجين الغمازة، فضة الشمس، هذه الليلة،
أصداء الفتنة، مترجمة عن الفارسية. ح. ك.
القصائد: أسيرة في لمحات عينيك، لوحة قلبي، أتى الربيع، أنين مستورة،
مترجمة عن الكردية. ح. ك.
العناوين من وضع المترجم والترجمة عملت بتصرف . ح. ك
المراجع
1-
ديواني مه ستووره ي كوردستاني، جمع وتحقيق صديق
بوره كه يي ( صفي زاده)، بانه كردستان ايران، 2770 كردية
2-
ميذووي ئةردةلان، مةستوورةي كوردستاني،
وةرطيراني حسن جاف وشكور مستةفا، بةغدا – عيراق
3-
ديواني نالي ساغكردنةوة و شةرحي مةلا عبد الكريمي
مدرس، بغداد
4-
مقالة للمستشرقة الروسية: ئي. ئاي. فاسيلييفا
(مستورة: شاعرة ومؤرخة، مترجمة إلى السويدية، ومنشورة في العدد 15/16 من
SVENSK-KURDISK JOURNAL، عام1989.