كارين
بويه Karin Boye (1900-1941)
ترجمة: حميد
كشكولي
نعم، أنه
أليم آن تتفتق البراعم ،
و إلا لماذاَ
يتوجس الربيع ،
و شوقنا الحارق سجين النظرات المريرة
الجامدة؟
فالبرعم طوال
الشتاء هي الملاءة ،
فما هذا
الجديد الذي يستهلك ويتفجّر؟
نعم ، أنه
أليم آن تتفتق البراعم..
ألم للذي ينمو.. و ألم للذي يترعرع .
وكم
أليم حين تسقط القطرات ؛
ترتعش من
الخوف ؛ تتدلى ثقيلة
تتشبث
بالأغصان ، تنتفخ و تتلاشى.
كيفما كانت
متسلقة فالثقل يهوي بها.
صعب أن تتردد
خائفا ممزقا وان تشعر بالبرد العميق و رجفة العظام ،
وأن تجلس فقط
مرتعشا .
ومن العسير أن تختار البقاء والسقوط ،
ففي أسوأ
الحالات ؛ وحين لا يشفع أي شئ ، تنفجر البراعم نشوانة .
وإذ ليس ثمة
خوف أو خشية ؛ تسقط القطرات من أشواكها منيرة ؛
ناسية أنها كانت مرعوبة من الجديد الآتي
،
ناسية عذاب
رحلتها ،
إنها تشعر
بابتهاجها الهائل لحظة تكون في الهناء الذي
يخلق العالم .
أنت تشبه
المحارة في بحيرة باردة،
حيث لا تصل
أبدا أشعة الشمس.
هذه المحارة لا تخرج قط من القشرة ،
و لا تستطيع
نسيان السجن،
إنها تقدر
فقط أن تخفي جوهرها الأعمق،
وأن تحلم
بكيرياء بين عشب الماء،
لكنها لا
تفرغ نفسها من الكلام أو العمل تماما.
فكلامك يطفح
بالسخرية ،
إذ تبغي
التستر ببرد الأوهام،
حيث
يسكن دفء الحياة ،
.لكن الصوت
يرتجف في وهن نادر الوجود.
و ثمة احمرار
يخفق خلف شحوب الوجنات.
و ثمة بحر
نيران يشتعل في السر،
و لا أحد
يعلم و لا أحد يصل هناك.
فأنت أطرى و أنعم من أن تتمالك نفسك أمام أيِّ صخب يشبه المنجل:
عليك أن
تتدرع في ألاعيب الحياة القاسية.
فأنت تشبه
المحارة في بحيرة باردة،
و التي لن تخرج قط من قوقعتها،
و أنت بعيد
المنال،
أنت عسير الفهم،
فلا أحد
يمكنه الاقتراب.
في سكينة
ليلة الصيف وهي نصف يقظانة ، تحضن
أحلاما ، دون أن تدري.
مياه البرك
اللامعة تعكس الأبدية الشاحبة لسماء الشفق.
فتغدو النجوم
أكثر نصاعة في البياض.
بعيدا ؛
بعيدا!
تغني السبد
لوحدها تنهداتها دون عزف ودون سلوان.
وليس من
الجبن أنها لا تخفق في الأعالي،
أنها تحوم
منخفضة لانخفاضها.
أجنحة الشفق
الزغب كأنها مربوطة بالأرض، مثقلة
بالغبار والأوحال.
فويل لها،
فجناحاها لا يرتفعان،
إنهما
يماطلان فحسب،
و منسحبان
بقوة نحو الزغب الذي يحمل
ألوانهما.
لكن الأكثر
بياضا من بين الإوز التي خرجت في نور الصبح
عبر ممراتها الملكية،
لم تشعر
بالشوق والغربة مثلما تشتاق السبد إلى الزرقة الخافقة أبدا.
خير ما
نملك،
لا يستطيع
المرء أن يهبه،
لا يستطيع أن
يقوله،
ولا أن
يكتبه.
خير ما في
قلبك،
لا شئ في
الدنيا يلوثه.
إنه يضئ
عميقا هناك؛
لله ولك على
حد سواء.
إنه غنانا
المفعم الطافح،
ألاّ يصله
سوانا.
و إنه ألم
بؤسنا
ألاّ
يناله سوانا.
موصدة بوابة
العالم النحاسية .
أقف في
أعلى مجازها،
وإن ما أرى
واسع لا نهائي،
و لا ثمّة
من نظر لا نهائي مثل ذلك.
مهما رأيت
بعمق , و مهما رأيت بعيدا،
لا تلقى
نظرتي أصغر هدف.
فكل ما أعرفه
أنه لا حياة ولا موت هناك.
و بعد أية
خطوة في الممر الضيق الذي لا أثر فيه،
أرى نفسي أمام طريق موصد بوجهي ….
هل نندفع
فيه؟
إلى الأعلى، اتبعوني!
فلا بوابة
نحاسية قد انفجرت !
لا أسير من
هنا. فلست تلك.
إنها ليست
سوى صورة كاذبة تعكسها المرآة،
و تتساءل
بذهول , من أنا،
تتشوف لكي
تواجه حقيقة نفسها في يوم ما.
الحكاية تروي : في البلاد البعيدة يجري نهر
المرايا من نبع غير مرئي.
ألف كائن ،
قديسة و سعيدة،
تتكئ كالنيلوفر على طول حافات الساحل .
الصورة
المرئية في المرآة لا ترى في الغدير اللامع.
إنها طردت
مرة من التيار الغاضب،
تتجول و تطوف
، واهمة كما في الحلم،
غير مكتملة ،
محطَّمة ، تبحث عن نفسها.
ألا أسمع عزف
موج النهر من بعيد؟
ففي أعمق
أعماقي تجري مياهه.
حيث يتكسر موج الحياة في النهار,
أكون
مستورة في انتظار مواطني في ملكوت
الله.
أنا مريضة
بالسّمّ .
أنا مريضة من عطش لم
تخلق له الطّبيعة شرابًا .
من الأرض تسيل غدران و تنفجر عيون .
أنحني وأشرب من عروق الأرض قربانها
المقدّس .
يفيض
الفضاء بأنهار مقدّسة .
أمتدّ إلى أعلى و أشعر ببلل شفاهي
من نشوة بيضاء .
لكن ليس في أي مكان…..
أنا مريضة
بالسّمّ . أنا مريضة من عطش،
لم تخلق له الطبيعة شرابًا.
.
ليلة القديس والبورجا
وأخيرا أقف على جبل
القدر .
و حواليّ تحتشد أرواح هلامية و حيوانات الشفق بأجنحة داكنة
وعيون فسفورية ،
مثل عواصف الغيوم .
هل أبقى ؟ هل أذهب ؟ فالممرّ هاجع في
الظّلام .
إذا بقيت هنا بهدوء في سفح الجبل،
فلا أحد
سيزعجني
.
ويمكنني
في هدوء مشاهدة صراع تلك الكائنات كلعبة السديم
في الهواء، وغالبا بعيون
شاردة .
لكنيّ إذا ذهبت، أذهب، و آنئذ لا أعود أعرف شيئا .
و أن الذي يسير في تلك الخطوات،
تصبح عنده الحياة حكاية .
إن ثمة نار؛
سأركب ثعابين نار ملتفّة .
وإن ثمة ريح ؛
سأطير على طّائرات ورقيّة مجنّحة .
و حتّى العدم
و حتّى حين الفقدان في العاصفة،
حية أو ميتة ؛
أهوي أمام قدر الآتي الثقيل.
وأنت الذي أيضا تعاني من عتاب الناس ،
تُسْتَدْعَى كذلك
إلى مكانك بين
الملائكة ….
ذوي أقدام الأسد,
وأجنحة من ضوء الشّمس
ورؤوس بشريةّ مبجّلة :
ملاك حيواني .
يصرخون عليك :
نجس, نجس"
لأنهم لم
يصابوا بالطهارة أبدًا
.
فاللّهب يجمع شعاعك من كلّ الأركان،
و ينتظر كير الحداد,
و الشّاكوش
الذي يعمل منك برقا,
سيعلّمك طهارة البرق السريعة؛
و اسمك بين الملائكة.
.
يتفتّح السّكون بمثل طريّ غابات شتاء
مشمسة .
كيف رغبتي تصبح معروفةً و طريقي
متواضع ؟
أثقب في يدي سلطانيّة محفورة لرنين
الكوب .
ثمّ قدمي أصبح حذر جدًّا و لن يتعثّر .
ثمّ يدي أصبحت حذرة جدًّا و لن ترتعش .
ثمّ أنا أصبحت يكثر و أدّى بنجاح
بالقوّة
من الأشياء الهشّة .
دفؤك
دفؤك الطّريّ الذي أترجاه ؛
تّدفّق طويلاً قبل أن يصل المرء إلى
الأرض .
و في أعشاش الطيور بالغابة العذراء الخفيّة
النّاعمة،
تحمل معاقل الحياة
نفس الدّفء الواقي .
من سماوات الآلام
نغوص أعمق
قي
ظلام العش حيث لم تعد الحياة
توجّه أسئلة .
وألاعيب السّحب هيام؛
و انعكاس من المرآة؛
لكن كل ما يولد و يترعرع
إنما هو من هبات الأعماق .
يبزغ الفجر و الفضاء مفعم
بحفيف الأجنحة .
يبتهج الطّائر المرتفع :
أعيش من الضّوء !
لكنيّ اختبأ في الصّمت الذي هو
راحته .
فدفؤك ؛ دفؤك العميق
يهبني الروح .
معرفة
كلّ المتيقّظين بشبكاتهم الواسعة؛
يستقبلهم البحر بضحكة كبيرة,
فالمعرفة لا يمكن اصطيادها أبدا،
ولا يمكن امتلاكها.
ولكنكّ إذا سقطت مثل قطرة
رأسا في البحر لتذوب،
جاهزا لأيّ تحوّل -
لاستيقظت بجلود عرق اللؤلؤ,
و عيون خضراء؛
في مروج
ترعى فيها أفراس البحر
ولأصبحت معرفة .
المنيع
؛ المنيع
هو من يفهم الكلمة :
لا تتواجد السّعادة و التّعاسة .
هناك فقط حياة و موت .
و عندما تتعلم ذاك وتتوقف عن ا اصطياد الريح
وحين عرفت ذاك و ولم تعد تخاف الريح
الهابة,
عد إليّ و علّمني
مرّة أخرى :
لا تتواجد السّعادة و التّعاسة .
هناك فقط حياة و موت .
بدأت في الهجاء, عندما تولدت عندي الرغبة ,
و سأتوقّف عن الهجاء عندما تنتهي
رغبتيً .
فسرّ الكلمة
نحصل عليه في الموت .
الصّلاة إلى الشمس
يا محرّرا يحطم الجمود بمطارق ذهبيّة !
أنقذني .
يتم امتصاص سيقان الأزهار في الأعالي كخطوط
مستقيمة؛
و بالقرب منك سوف ترتعش أكمة الزهور؛
ترمي الأشجار قوتها كأعمدة في وجه
مجدك :
في البدء و في الأعالي
نشرتْ حضنها المورق العطشان للضوء ,
بإيمان .
نقلتَ الإنسان
من حجر راسخ في الأرض بعيون عمياء
إلى
نبات متجوّل يهتز بالرّياح
الرّائعة
الهابة على حاجبه .
ملكك هو السّاق و الجذع .
ملكك
عمود ي الفقريّ .
أنقذه .
ليس حياتي . ليس جلدي .
لا آلهة تحكم العالم الخارجيّ .
إنّه ملكك بعيون مظلمة و أطراف مكسورة ؛
أنت الذي عشت
مستقيما
و أنت بالذي تموت مستقيمًا
حين يلتهم الظّلام الظلام.
فالدمدمة تتصاعد،
الليل يتورم،
والحياة تلمع غالية بعمق.
فأنقذ يا الهي البصير ، أنقذ
ما وهبت.
إهابي ممتلئ بفراشات, و أجنحة مرفرفة -
تحوم
فوق المروج و تتمتع بعسلها،
و تطير إلى البيت و تموت في التّشنّجات المحزنة
الصّغيرة,
و ما من حبة واحدة من حبوب اللّقاح تُحَرَّك
بالأقدام الخفيفة .
لها
الشمس ساخنة, دون حدود, وأقدم
من العصور….
لكنّ تحت الجلد و الدّم و داخل
النّخاع
تتحرّك النّسور البحريّة الأسيرة
ثقيلة؛
تفرد أجنحتها و لا تطلق فرائسها قط.
أي اضطراب سيصيبكم, في عواصف ربيع
البحر؟
كيف ستزعقون حين تطلق الشمس
العيون الصّفراء المتوهجة
؟
فالكهف موصد ! الكهف موصد!
و بين المخالب تتلوّى أليافي الدّاخليّة بيضاء
مثل الجذور الصّغيرة .
كيف أقول إن كان صوتك جميلاً .
إنّي أعرف فقط أنه يخترقني
و يجعلني أهتزّ مثل ورقة
و يمزّقني و يفجّرني .
ما أعرفه عن جلدك و أطرافك .
يرجني منبها إياي
بأنها ملكك
فلا نوم ولا راحة لي،
إلى أن
تعود أطرافك وجلدك لي .
أنت يأسي و بأسي،
أخذتَ كل حياتي ،
و لأنك طلبت كل شئ أملك،
فأعدْ ته مضاعفا ألف مرة.
مسلّحا، مقداما و محصنا بدروع
تقدمتُ إلى الأمام -
لكنّ من الخوف والخجل هوى الدرع إلى الأرض.
.
أريد إلقاء سلاحي وسيفي ودرعي.
.
فكلّ عدوي القاسي
كان برودتي .
لقد رأيت البذور الجافّة
أخيرًا تنمو .
قد رأيت الأخضر الفاتح
ينبسط .
مكين حب الحياة،
أقوى من الحديد،
منزوع من قلب الأرض
أعزل .
يبزغ الربيع في مناطق الشّتاء،
حيث أتجمد .
وأريد التصدي
لقوّات الحياة
أعزل .
في التّحرّك
اليوم الشبعان ليس الأعظم أبدً، .
فأفضل يوم هو يوم من عطش .
إن في رحلتنا لمعنى و نيات،
لكن الطّريق هو ما يحمل المجد .
خير هدف هو راحةُ طوال مساء،
حيث تُشْعَل النّار و يقطّع الخبز
بسرعة .
في أمكنة حيث ينام المرء لمرّة واحدة،
يصبح النّوم آمنًا و الحلم مفعما
بالأغاني .
هلموا ، هلموا ! يبزغ اليوم الجديد .
و مغامرتنا العظيمة تدوم أبدا .
العالم حلم
العالم حلم يحلم به إله نائم،
و رعشات الفجر تهدهد روحه .
ذكريات أشياء حدثت أمس،
قبل أن يتواجد العالم ،
تنتابنا كأشباح
وتتلألأ .
هذا العالم الذي لا نملك فيه جزء من روحه
يقابلنا حيث ينحني الطّريق،
يتنفّس رعبا ليس لنا
من حدود بعيدة جدًّا،
عن عوالم تسودها قوانين أخرى .
نم ، نم
أعمق أيها الرأس الناعس،
إلى أن لا يعود الحلم يعذبك،
أو استيقظ نهارا وأنت خلاّق مبتكر،
و اجعلنا حقيقيّين !
الطّريق إلى البيت
أعرف طريقا يؤدي إلى البيت .
هذا الطّريق ثقيل أن تسلكه .
يصبح كلّ مسافر هناك رجلاً فقيرًا
و صغيرا و قبيحا و رمادياّ .
أعرف طريقا يؤدي إلى البيت .
هذا الطّريق خال و نقيّ .
إنّه مثل أن تسند خدّك الدّافئ
على حجر قاسي .
لكنّ الذي قد شعر بهذا الحجر بخدّه ذي الدّم المثلج،
سيدرك كم قسوته لطيفة
و كم هو صادق و حازم و جيّد .
و سيشكر الحجر
و يحضن
قسوته الحنون
و يطري لعبة المجهود الوحيدة
التي كانت تستحقّ النصر .
الملائكة
المظلمون
الملائكة
المظلمون بحرائق زرقاء،
مثل زهور
النّار بشعرهم الأسود،
يعرفون
الإجابات عن الأسئلة الرّائعة
الكافرة.
و ربّما هم
يعرفون أين يذهب جسر
السابلة من
عمق الليل إلى ضوء النهار -
و ربّما
يعرفون أين ميناء الفرادة،
و ربّما أيضا
في بيت أبيهم هناك
منزل خالي يحمل أسمائهم جميعا
آرتور
لوندكفيست *( 1906- 1991)
دعني ألّا أتداعى في
ثمالة النوم – لا:
ألّا انبجس
مثل نابض حديد مضغوط !
اجعلْ مني
عازف فلوت بيدين مكسوتين بالشعر، أعزف الألحان من أشجار غنية النسغ،
و ليكن الشاحبين حمرا و ليرقص الجميع!
أزل اللحم
الرخو من أطرافي،
اعطني عضلات
تهتزّ و تشتاق و تحث على العمل،
عضلات
سعيدة تشتغل كمكائن يانعة.
( مكائن
بأطراف حديد عارية تسبح في زيت أزرق !)
***** ***** *****
أريد أن
أزعق بهجة الحياة ، وأن أضحك بفكٍّ
قوي.
أودُّ لو
تهاديتُ نشوةً، ثملا من فيض سعادة
الحياة.
أبغي غناء
ألحان سامية في مواسم يكون فيها الحصاد نعمة و القلوب مفعمة بالخير.
عسى أني
أدمدم حول تفاهة الأشياء في فترات المرارة و التعب،
أغمغم
بسوداوية مثل ريح أيلول حين تهب في أشجار مثقلة بالمطر.
أريد مداعبة
الأرض بيدي فتزهر وتبعث بالنور.
أريد أن أكتب
قصائد عن أيام لم تطلع بعد من رحم
الفجر الأحمر.
* * *
*****
*********
عواصف و
أسمال الغيوم .
أشجار مائلة
على الأفق الأحمر.
دروب
خالية.
لا أناس عند
البوابات.
جياد طليقة
تعدو عدوا مخيفا فوق حقول عارية.
( كيف ترفرف
أعرافها الطويلة بين أسمال الغيوم!)
مياه خريفية
تمط إلى الأمام في طيات ثقيلة ، و لمعان داكن حريري و سطوع لؤلئي لفولاذ مصقل
.
شاب وشابة
يلتقيان في مدرج الخريف الرطب القرمزي.
( كيف تقتحم
الريح ثيابهما و ترسم رحم المرأة
المدوّر!)
وعلى جذع
شجرة في ملتقى الطرق ترفرف
يافطة حمراء كشعلة تدعو إلى التمرد – ترفرف وترفرف في
الريح.
******
******
******
*****
أنا رجل يحدق
إلى الأسفل من فوق جسر وأراني منعكسا في الماء المتدفق،
لم أعد أعرف
ذاتي ، و لعل ذاك أي هائم يمكن أن يكون ،
و أنا ابن
حاول أن يصبح أبا لِذاته، يكفر في
الأصول، مثل شجرة ليس لي تاريخ , نموت بطريقتي الخاصة،
مع الريح ، و
ضد الريح،
حاولت أن أحب
الحجر أينما كان واكتشف لون العيون ذاته في الماء،
ربما
أنني ورثت الجوع حقا، جوعا لا
يعرف الشبع و لا يفهم للقناعة
حدودا،
فالجوع في
ذاته كالجوع في ذاتي، ذئب يلقى ثلجه في كل مكان.
أنا الطفل
الربيب في هذا البلد، لن أصل البيت قط،
أهيم على وجهي في دوائر،
طفل ربيب دون
أن يلقى جذرا يقتلعه من الأرض،
الضباب لوحده
ينفرد للحظة , و يغلق بوابة،
مُسَلْوَتة سخام في وجه يوم حلوب،
أصوات غريبة
ترعد من بعيد بلا أصداء،
الصقيع يجفل
الأحجار فتغطس بآهات ، مثلما ينبجس الهواء من العجين المختمر،
لكن تلك
التنهيدة لا تلتفت إليّ.
إبر التفكير
تلمع كأنني واقف على الساحل في مواجهة الشمس، لكن الأرض تختفي تحت الأشجار ، حتى
أنني لم أعُد أرى الغابة،
يصعد الدرب كسد منيع و المرور يطلق الإنذار
بين تويجات الأشجار،
الروض يهجع
في أجمته الخضراء و يلعق جروحه،
الحصان
الرمادي الأخير ينحني إجلالا أمام الغروب مثل فتاة كبرت إلى سيدة عجوز،
و الريح
ترنم في رسن عمود البوابة بلا
بوابة.
**** *********
********
آلاف الآلهة
تدب على الأرض ، ترتفع بشكل لولبي ، تملأ الفضاء دوامات وريشا،
إنه حصاد
أنيق للآلهة من قمم الجبال نحو البحر،
آلهة تأكل
وتتقيأ و تحلب خلسة،
تطأ الأرض و
تشعل النار في الغابات،
تخفي ألبسة و
يريق الطحين،
تفحّم قروص
العسل و تهدر الزعفران،
يبني لنفسها
معابد من البرق فوق المدينة،
تدفع الأفاعي
لتعلّق في الشص،
القرش يبكي
كالأطفال عند تل الرمال.
فما أقسى
العيش مع الآلهة ، و ما أصعب الحياة لها!
من يريد
الخروج لمبارزة الآلهة كبطل آدمي بائس،
أيّ فأس يقوى
على النيل من جذور الآلهة ، فجذورها دفينة في الإنسان،
من يمكنه أن
يقتلع تلك الجذور من اللحم، وإخراجها
من مياه الأحلام العميقة و ظلمات الدم،
الآلهة التي
تهرع لكي تعود من ديار لا نتصورها،
سعيدة سعادة
خطيرة، و عندها مفاتيح من النار ،
آلهةٌ
سُرَرُها من هواء و عيونها تطفو كفقاعات على الماء.
لكن اطردْ
هذا الإله الصارخ،
أخرجه كالألم
من جذور الأسنان،
من مستراح
الأمعاء.
فالحرية
الأولى هي الحرية من الآلهة،
و من ثم تأتي
الحريات الأخرى ،
والحرية من
الحكام أيضا تشبه التحرر من الخوف،
(فالرجل الذي
يدع أن يلدغه كوبرا هو حاكم،
والرجل الذي
يجلس مبرأ في النار لهو حاكم،
فالسلطة
عجيبة ، كالحياة المفروضة):
فلهذا اقلع
جذور الآلهة الدموية أيضا، إن صرخت مثل لفّاح الخرافات!
********
تمنيتُ أن
تنمو لي أجنحة ( و من لا يتمنى مثل هذه الأمنية ؟ )
آه ، أجنحة ،
أجنحة !
لكن تحققت
أمنيتي إلى النصف:
أصبح لي جناح
واحد فقط، على طرف واحد مني ، في كتفي اليسرى!
فماذا أعمل
بهذا الجناح؟
أقدر أن أفرده و أرفرف به بشدة في الهواء ،
مصعّدا الغبار و الأدخنة ،
و يسع جناحي
الوحيد أن يدور قليلا حول نفسه.
و ما الفائدة من كل ذلك؟ فلا يرفعني عن الأرض قيد أنملة،
يجعلني أدور فقط حول ذاتي و إذا لم
أتمالك نفسي لأسقط !
ويل لي ! أن
تحوز على جناح واحد فقط أسوأ بكثير مما لو لم يكن لك جناح قط،
أنا الآن
أفتقد الأجنحة بلا هوادة أكثر من أي وقت.
من مجموعته الشعرية " روعة الدنيا" الصادرة 1975
**** **** ****
أنت تقول إن
الأشجار عُبدت كالآلهة ، ولو كانت كل شجرة إلهة لكانت الآلهة أكثر عديدا من البشر،
و قد تمت التضحية بالعديد منهم إلى اليوم، و لاستمروا يضحون بها ، فالأشجار كالآلهة
ترفع نفسها عالية عن البشر، ترى نفسها خيرا منهم و مهيبة ، إذ تتنفس بعمق ، وتشرب
بعمق ، وتعاشر الريح مثلما تعاشر نعوشا غير مرئية، تستقبل المطر كحرّاس في قلنسوات
خضراء تحوّل أشعة الشمس إلى نبات.
أشجار كآلهة
، أجساد و أرواح متحدة ، تتوسط بجذورها ، وجذوعها و تويجاتها بين الأرض والسماء ، موسّعة مملكة الخضرة
، و نضارة الأوراق ، منقّية الهواء ، خالقة المطر، أشجار لسلوى الإنسان، مثلما الأب
و الأخ و الأخت تحمي و تبعث بالطمأنينة، صامدة وأمينة ، صادقة يعتمد عليها، تحتضن و
يبكى المرء في ظلالها،
الأشجار
الآلهة النائية ، شمالا وجنوبا، تسبق حياة الإنسان إلى مديات أبعد ، في بكم يحفظ
أسرارها:
أسرار الآلهة
التي لا يدركها البشر.
فما دام ثمة
أمل عند الشجر ، فهناك أمل عند
البشر، شرط أن لا يتنكّروا للأشجار
الوهيتها مثلما يتنكرون ألوهية إلههم.
استيقظي،
"آماريليس"، انهضي! فأنتِ لا تفكرين
قط بالراعية الكلاسيكية ، بل بالزنبقة النرجسية الهاجعة في النوم الشتوي ، و التي
كوّرت نفسها كبصلة، و يكاد حجمها يكون بحجم رأس طفل رضيع و تنتظر في أصيصها،
نعم، إنها تستيقظ، تنهض ، على مهل ، واثقة
بالنفس، وبلسان أخضر تنتشل نفسها من
خشبية البصلة القاسية ، ودون أن نشعر ؛ ينمو اللسان ويكبر يوميا ؛ يغدو ساقة خشنة ،
يبدو وعرا رغم خوائه ،
فالساقة
أنبوب أخضر أو خرطوم مياه لسقي الزرع، يذكِّر دوما بثعبان يرتفع عاليا وباقتدار،
يستحضر رأسا متورما يشرع في التذكير بكوبرا؛ مرتفع يستعد للدغ،
و في الوقت
ذاته يشبه هذا عضو رجل منتصبا ، …. كلا .. عضو حمار في الطول ومشقة الارتفاع، و
برأسه المنتفخ الذي يحمرّ باطراد ، كأنه عبّئ بالدم،
ثمة شئ
شيطاني سكن هذه النبتة حيث تخرج صاعدة من بصلتها دون مقاومة ، كأنها تُنتزع من خصية
وحيدة متورمة، بينما ساقة آخر تجهد
لكي تشق الدرب لتستقر جنب الساقة الأولى المنتشية بالنصر،
فالإزهار
مثله مثل عملية الولادة، مليئة بالآلام و النزيف الدموي، حين تتقدم الزنبقات الأربع
إلى أمام ، كل واحدة في اتجاه معين ،
كأنهن يبحثن عن أربع شموس متقابلة،
ينشرن
كمّاتهن كأفواه واسعة، كأنهن راقصات أو نهمات لا يشبعن، حسناوات ورهيبات، و
بعنفوانهن سجينات شكل الزنبقة الكامل ،
وهناك يعلنّ
عن أنفسهن ، أنهن انتصرن ، و بالبوق يبعثن بتلميحاتهن الحمراء، أبين إلا أن يبعن
أنفسهن غالية، وأن يصمدن في مواقع
الحسن حتى النفس الأخير،
و في هذه
الفترة تستجمع الساقة الأخرى قوتها و تشرع في الاندفاع أماما إلى جنب الساقة
المزدهرة الشماء ، مستعدة لكي ترث عرشها مثلما الأخت الصغرى تخلف الأخت الكبرى ، و
دون الحاجة إلى إيعازك:
استيقظي ، "آماريليس"، انهضي –
****
****
****
الخطوة هي أن
تخطو دوما من الحبّ الأصغر إلى الحبّ
الأكبر، من فوق عتبة الذات، حبّ
الشيء الوحيد ، الذي هو عبارة عن مرآة حبّ الذات،
فبدلا من حبّ
هذه الأرض الصعبة و الأعماق الأليمة، ثمة حبّ الأحشاء بأفعالها الخفية ، حب ّالغرام
و البيداء التي تستحضره ،
حبّ الشعرة
الساقطة من رأسك ، حبّ الآلة التي تحك يدك، وحبّ كل شئ يجعلك فعالا لكي تقف بوجهه
،
حبّ الكذب
الذي يجعل من الحقيقة ملحا, و حتى حبّ اللاحبّ الذي يُري بطانة النسيج النموذج, حبّ
الشعور الذي يهذّب العقل و بالعكس،
الحبّ الذي
خص به الله ، مثال الإنسان المعلّى ، و الذي
الآن يجبّ أن يخصّ الخليقة
الصاعدة ، حبّ المترددين ، الخائبين ، الخاسرين ، حب " اروس" الضرير الذي
يرى فقط باليدين،
حب الوالدين
الذين عانوا لكي تصبح أنت ما تصبح، حبّ ذاك الذي كان يأتي منه ما أتى .
مثل هذا الحب
هو الطريق الوحيد إلى الحرية، هو
الاضطرار الذي يحوله الحب إلى حرية،
هذه الخطوة
يجب أن تتخذ دوما !
********
كثر ما أشعر
أني سنديانة عجوز، نحيلة و ذات نُدُب ، بعض أغصانها ذبلت ، ومع ذلك خضراء بما يكفي
أن احسبني حيّا،
تلك ليست
الفكرة الأصلية، و ربما ليست ما يستحق الذكر، ولكن بكل بساطة ورغم كل شئ أنها كانت حياة، ولا اعرف إن كانت أفضل أم أسوأ من حياة
الآخرين،
لكنها كانت
يقينا حياة طويلة، أطول من حياة الكثيرين ، رغم أنه كثر ما ينتابني باختصار و
بهدوء، أنني أُرتحل ، بما لا يحصل
لأية شجرة ، أم أنني لم أُرتحل؟
لقد ضربت
بجذوري رغم كل شئ في ذات التربة مثل السنديان و حتى لو أنني قد نسيت تلك الجذور,
إنما كبرتُ حيت أنا واقف، وحيدا إلى حد ما كما الحال مع السنديانات غالبا، و العالم
قد يطلق الضجيج في محاذاة الطرق العادية،
و بينما كنت
أتعرض للرياح، لا العواصف الطاغية،
قد تعاركتُ بالطبع معها، غالبا كنت
سعيدا وأحيانا خائفا،
والعجيب أنني
غالبا ما لا أشعر أنني سنديانة عجوز، بل شاب و نشط ، بآمال وتطلعات ساذجة ، بيد أنه كان
عليّ أن أدرك أحسن،
كأنني فجأة
نسيت عمري، وتركت ورائي كل ما كنت ، وكأنه كانت حياة لإنسان آخر غيري، و أراني في
الجديد، أترنم بكل بأغصان خضراء،
فالشبان
يسيرون أمامي دون أن يروني، ضاحكين
وربما سعداء، أزواج و جماعات أو
منفردين، بعضهم يترنحون للأمام مخدرين، و منهكين ولا أدري من منهم من الأكثر
قربا مني أو الغريب الأبعد عليّ،
أن تكون شابا
أصعب من أن تكون شيئا آخر، رغم أنه يبدو على عكس ذلك، نعم ، من الصعوبة أن تجد تكشف
معنى الحياة و تناضل في سبيله بجرأة وقناعة،
والأسهل
بكثير هو أن تشعر بأنك شاب دون أن تكون شابا، وأن السقوط المنتظر للسنديانة
العجوز لا يقلقها كثيرا ،إنه لا بد
حادث ، فليحدث ، بأسرع ما يمكن و لمرة واحدة!
* آرتور لوندكفيست يعتبر أهم شخصية أدبية و ظاهرة
ثقافية خلال نصف قرن في السويد
بإنتاجه الغزير شعرا وترجمة ودراسات
، رائد الحدائة وأحد أبرز مؤسسي السريالية السويدية بعد أن عاش في
الثلاثينات من القرن الماضي في باريس مركز الحداثة مـتأثرا بجيمس جويس و غيره .
كان ينتمي إلى اليسار فكريا وسياسيا لكي يغيّر الحياة إلى أفضل و إلى السريالية شعرا لكي يغني الروح .ح .ك
قصائد للشاعرة الفنلاند سويدية
أديث سودرغران
Edith Södergran
(1892ـ1923)
مع
القط "طوتي" العام 1917 على الأرجح
أديث سودرغران (1892- 1923) , ولدت لأبوين فنلنديين في سانت بطرسبورغ ،
حيث دخلت مدرسة بنات ألمانية اللغة.
كتبت في سنوات المدرسة قصائد تقليدية بعدة لغات غالبا بالألمانية. العام
1908 تأكد أنها مصابة بالسل الرئوي فأدخلت في سانتوريوم بدافوس , سويسرا ( 1911-1914)
.
تأثرت سودرغران
بالانطباعية الألمانية و المستقبلية الروسية و الرمزية الفرنسية.و في باكورة
أعمالها الصادرة باسم "قصائد" العام 1916 يلمس المرء نشوة وحب الحياة و نكران الذات في الوقت ذاته ،
و في سعيها لتعريف "المرأة الجديدة" ، قالت : " أنا همسة الدم في أذن الرجل" و "
أنا لست بامرأة ، أنا الحياد".
فشلت أديث سودرغران في بتاء صلات مع الأوساط
الأدبية في هلسنكي 1917 كما خسرت عائلتها كل أملاكها في ثورة نوفمبر ، ليبقى لها
فقط المسكن الصيفي في"رايفولا" في خليج " كاريلسكا".، فساءت حالها بسبب المرض والفقر و العزلة, لكنها ابتنت لنفسها
شعورا ذاتيا بالاستعانة بمثال البطل النيتشوي في حب الحياة.. و ينجلي ذلك في
قصائدها " غنائية سبتمبر1918" ، إذ تعبر عن أنها تملك" سلطة الكلمة و الصورة بشكل
كامل، و على حساب الإيقاع".
رأى
النقاد في ادعائها " ليس من المهم
أن أجعل ذاتي أقل مما أنا " سخافة
و انبروا لمحاربتها بلا هوادة في المطبوعات ، لكنها لقت شفيعا لها في " هاجر
اولسون" التي أصبحت تمجد شعرها و
تدافع عنها . رسائل سودرغران إلى هاجر طبعت العام 1955.
تأثيرات نيتشة واضحة في مجموعتها الشعرية "
مذبح الورد" 1919 و " ظل الزمن الآتي" العام 1920، إذ تنعكس كنايات الطبيعة كانطباع
للمشاعر و الرؤى.
كما يلمس المرء
مسحة مسيحية في ديوانها " البلد الذي لا يحضر" العام 1925. فبكل اختصار يمكن القول
إن أديث تعتبر واحدة من أكبر مجددي الشعر السويدي الحديث.
يبرد النهار
1
يبرد النهار عند المساء ….
اشربِ الدفء من يدي،
فيدي لها ذات الدم مثل الربيع.،
خذ بيدي
, خذ ذراعي الأبي
و خذ شوق كتفيّ الرفيع … ،
رائع
أن أحس لليلة واحدة، ليلة كهذه الليلة
برأسك الثقيل على صدري.
أمسكُ في يدي الحارتين بوردة حبك الحمراء التي
لا تلبث ستذبل على عجل …
فيا أيها الحاكم
بعيونك الباردة،
أنا آخذ التاج الذي تهبني،
فيسجد رأسي لقلبي…
3
رأيتُ
اليوم سيّدي لأول مرة،
مرتجفة لم ألبث
عرفته ثانية.
أشعر الآن يقينا بيده الثقيلة على ذراعي
الخفيف…
فأين ضحكتي العذراء ذات الرنين،
و حريتي النسائية الشمّاء؟
الآن أشعر بمسكته المحكمة لجسدي المرتعش،
الآن أسمع خبطات الواقع القوي على أحلامي
الطريّة.
4
بحثتَ
عن زهرة
فوجدتَ ثمرة.
بحثتَ عن نبع
فلقيتَ بحرا.
بحثتَ عن امرأة
فلقيتَ روحا….
أنتَ
خائب.
كغرباء لا قلوب لهم…
أتشوّف أنا إلى قبوري القديمة،
و عظمتي الحزينة تنشج بدموع أليمة
فلا ترى شيئا.
بقيت أعيش في حلاوة الأيام القديمة
بين غرباء يبنون مدنا جديدة
فوق روابي زرقاء تسمو إلى حواف السماء،
أتحدث بهدوء إلى الأشجار الأسيرة
و أسلّيها أحيانا.
بأي هدوء يستهلك جوهر الشيء الزمن،
و في صمت يدوس على كعب القدر القاسي.
عليّ أن أنتظر الموت اللطيف الذي يأتي بالحرية
لروحي!
أحمل في أعماقي الشفق البنفسجي من الماضي
السحيق،
عذارى عاريات يلعبن مع قناطير تعدو…
ضوء الشمس الأصفر بنظرات بديعة،
أشعة الشمس فقط تحفل بلهفة بجسد المرأة الغض
….
لم يأت الرجل، لم يتواجد قط، و لن يكون
أبدا….
فالرجل مرآة زائفة ترميها فتاة الشمس بغضب بوجه الجدار
الصخري،
الرجل كذبة، و الطفل الأبيض لا يفهم،
أن الرجل فاكهة فاسدة ترفضها الشفاه
الأبية.
يا أيتها الأخوات الحسناوات، هيا إلى الأعالي
فوق الصخور القوية،
فنحن محاربات و بطلات و فارسات،
و عيون البراءة و جبين السماء و يرقات
الورد،
نحن موجات ثقيلة تتكسر على الصخور ،
نحن الغرانيق العلى،
نحن أقلُّ من يكونون بانتظارنا و حمراوات بأعمق
ما يمكن,
نحن لطخات النمور و أوتار متوترة و نجمات لا
تخبو أبدا.
عليك أن تتخلى عن دربك القديم،
فدربك خبيث:
إذ يمر الرجال فيه بنظرات شهية،
وعبارة : حظا سعيدا ! تسمعها من كل
الشفاه،
و إلى الأمام لمسافة من هذا الدرب ،
ثمة جسد امرأة تنهشه النسور .
ها قد لقيت دربك الجديد،
فهذا الدرب نظيف:
هناك يسير الأطفال اليسارى ؛ يلعبون مع أزهار
الخشخاش،
و النساء يجلن متشحات في سواد و يتحدثن عن
الحزن،
و في الأمام شيئا ما؛ يقف قديس شاحب ،
قدمه تدوس على رقبة تنين ميّت.
إحدى الأخوات أحبت الفراولة الحلوة،
و الثانية أحبت الزهور الحمراء،
و الثالثة أحبت أكاليل الموتى.
الأخت الأولى تزوجت :
يقال إنها سعيدة.
الثانية أصبحت عاشقة بكل روحها،
يقال إنها أصبحت تعيسة.
الثالثة أصبحت قديسة ،
و يقال إنها ستفوز بتاج الحياة الأبدية.
ليست للنجاح أغنية ، ليست له أفكار،
ليس له أيّ شئ.
دع نجاحك يتحطم ؛ فإن النجاح شر.
يأتي النجاح على مهل مع همسات الصباح في أجمات
هاجعة؛
ينحدر النجاح في سحابات رقيقة على العمق الأزرق،
النجاح حقل ينام في جمر الظهيرة أو البحر
اللامتناهي تحت سرير من الأشعة العمودية،
النجاح مجرد من السلطات، أنه ينام ويتنفس ولا
يعرف شيئا أكثر…
أما الآلام ، فهل تعرفها؟
إنها قوية ومهابة بقبضات حديدية معقودة
سرا.
هل تشعر بالآلام ؟ أنها بسمة مفعمة
بالآمال بعيون باكية.
فالآلام تهبنا كل ما نحتاج…
إنها تعطينا مفاتيح مملكة الموت،
تقذفنا من على البوابة ، إذ نشك لحد الآن
فيها.
الآلام تعمّد الأطفال وتشارك الأم السهر و تصيغ كل أساور العرس
الذهبية.
الآلام تسود العالم توسّع جبين المفكّر،
تقلّد الزينة في عنق المرأة الجذابة ،
وهي في انتظار الرجل حين يرجع من عند
عشيقته.
فما الذي تهبه الآلام لأحبتها أكثر مما أعرف؟
لا أدري .
إنها تمنح اللآلئ و الزهور ، أنها تهب الأغاني
و الأحلام،
تعطينا ألف قبلة ، كلها فارغة،
و تمنح القبلة الوحيدة التي هي حقيقة.
تعطينا أرواحنا العزيزة و نزواتنا
الفريدة.
إنها تمنحنا فوائد عالية جدا:
الحب و الوحدة و وجه الموت.
ممَّ أخشى أنا؟ أنا جزء من اللاتناهي.
أنا جزء من قوة الكل الهائلة،
عالم وحيد بين ملايين العوالم،
نجمة من الدرجة الأولى تنطفئ في الأخير.
فالنصر لأجل الحياة ،
و في سبيل التنفس ، و لأجل الوجود!
النصر للشعور بالزمن باردا يسيل في شرايينه
ولسماع نهر الليل الساكن
و الوقوف على الجبل تحت الشمس.
لا أعرف سوى الشمس.
فيا أيها الزمن - زمن التحويل- و –
التعطيش- و زمن السحر- ,
تأتي بمؤامرات جديدة ، وألف خدعة لتدعوني إلى تواجد مثل تواجد بذرة صغيرة ،
مثل حبة متكوّرة ، مثل صخرة في وسط البحر.
الزمن – أيها القاتل- دعني وشأني!
فالشمس تملأ صدري بعسل حلو حتى الحافة و تقول:
تنطفئ النجوم مرة،
لكنها تنير دوما دون وجل.
ثمة وردة في حضن أم الإله.
وريقة منها تشفي القلوب المشلولة.
و ثمة وردة في حضن أم الإله.
ذات العيون المشعة تبتسم—
فمن سيشفي قلبها العليل.
اهدأ يا طفلي، لا شئ هناك
وأن كل ما تراه
إنما هو الغابة و الدخان و هروب الحواف.
و في الأقاصي سماء أكثر زرقة و سور ذو ورود
أو نخلة و ريح أكثر فتورا---
هذا كل ما هنالك.
ليس هناك سوى الثلج على أغصان الراتينجية.
ليس هناك شئ لتقبيله بشفاه دافئة،
لتبرد كل الشفاه
بمرور الوقت.
لكنك تقول ، يا طفلي، إن قلبك قدير،
وأن تعيش عبثا هو أقل مما أن تموت.
ماذا ابتغيت من الموت؟ هل تشعر بالغثيان الذي
تنشره ثيابه،
و ما من شئ مقزز أكثر من الموت نفسه.
علينا أن نحب ساعات الحياة الطويلة من
المرض
وسنوات الضيق من الانتظار
مثل اللحظات الصغيرة حين يزهر القفر.
لهذا لا أعير أهمية للأناقة الأصيلة،
فأركم الأكمام.
يختمر عجين الشعر ….
و حزن----
أن لا يمكننا أن نخبز كاتدرائيات !
سموّ الأشكال---
أهداف الانتظار المثابرة.
فيا طفل العصر---
ألا لأنفاسك المقياس الصحيح؟
و قبل أن أموت
أخبز كاتدرائية.
الرقائق الأولى سقطت.
إذ نقشت
الأمواج كتاباتها على رمال مجرى النهر الذي مشين فيه بورع.
وقال الساحل لي:
أنظر أنك قد سرت هنا في طفولتك وأنا ظللت نفسي
دوما.
و شجرة عاشقة الماء التي تقف عند الماء هي
نفسها دائما.
فل لي أين هاجرت في بلاد الغربة وتعلمت طقوس
البتر؟
ما الذي كسبت؟ لا شئ على الإطلاق.
ستطأ قدماك على هذه الأرض،
هنا
دوائر سحرك،
وتأتيك الحكمة و أجوبة الألغاز من شجيرات
الماء.
و ستسبح بحمد الله الذي يسمح لك الوقوف في
معبده بين الأشجار والحجر.
و ستمجد الله الذي دعا الجبال تسقط من
عينيك.
يمكنك تجنب حكمة العبث،
لأن الآن غدت الصنوبرات و الخلنجات
معلمتك.
هات بالأنبياء الدجالين و الكتب التي
تكذب،
لنشعل حريقا شبقا يرفرف على الشاطئ.